تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٤٢٩ - فكرة إجمالية عن التفاصيل
و لكن كانت أول شريعة واسعة على مستوى التطبيق العالمي المدعم بكتاب سماوي كامل، هو ما جاء به موسى بن عمران (عليه السلام).
- ٥- و إذا دققنا النظر وجدنا ان إرسال الرسل ملء أو إشباع لحاجتين بشريتين عامتين:
الحاجة الأولى: انه تطبيق للطف الالهي الذي قال الفلاسفة المسلمون بوجوبه و إذا لم يكن واجبا فقد تفضل اللّه تعالى به على أي حال، تحاشيا من أن تصبح الحياة، نتيجة للصراعات و النزاعات جحيما لا يطاق، كما عبر به (توماس هوبز) حيث اعتبر الحياة بدون قانون جحيما لا يطاق، باعتبار تصادم مصالح الأفراد بعضها مع بعض بشكل غاية في الفضاعة و الوحشية [١].
الحاجة الثانية: انه تطبيق لفكرة مهمة و رئيسية من فقرات التخطيط الالهي العام لتكامل البشرية باعتبار تأهيلها لفهم العدل الكامل المطبق في المجتمع المعصوم، على ما سوف نشرحه غير بعيد.
- ٦- يتوقف الهدف البشري الأعلى، و هو وجود المجتمع المعصوم، على وجود دولة عالمية تحكم البشرية بالحق و العدل لكي تقوم بالتمهيد المباشر لذلك المجتمع.
فإن البشرية، بعد أن وجدت قاصرة- أولا-، و أصبحت بعد الوعي متناحرة ظالمة معتدية بعضها على بعض- ثانيا-، لمدى ضحالتها في التفكير و استهدافها للمصالح الفردية ... إن البشرية بعد أن كانت كذلك، لا يمكنها أن تصل إلى المستوى المطلوب بدون توجيه مركزي مركّز يمهّد و يخطّط، بشكل واع و قوي لإيجاد المستوى الثقافي و العقلي و الاجتماعي و رفعه تدريجا إلى أن يصل إلى هدفه المنشود. و هذا التوجيه لا يمكن أن ينطلق إلا من دولة الحق و العدل المنسجمة مع أهداف التخطيطين البشري و الكوني.
إذ لو لم تكن هذه الدولة موجودة، لكان هناك افتراضان لا ثالث لهما:
الافتراض الأول: عدم وجود دولة أو سلطة على الاطلاق على طول الخط
[١] انظر: المذاهب الاجتماعية الحديثة، محمد عبد اللّه عنان ص ١٤.