تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٧٢ - الأسس العامة الفلسفية للمادية التاريخية
نفي النفي الذي عرفناه، و هو أن الصراع بين وجود الشيء و عدمه، بين الأطروحة و الطباق، يصل بالوجود إلى وجود أفضل جديد ... ثالث، هو غير الأطروحة و الطباق السابقين. و يكون هذا الوجود الجديد بدوره أطروحة لينتفي بالطباق مرة أخرى ... و هكذا تستمر الحركة.
و هذه الفكرة التي عرضناها واضحة في المصادر الماركسية بصيغة:
النفي و نفي النفي، و فيما نقلناه سابقا كفاية للدلالة عليه. إلا أن التعبير بالثلاثية بإحدى صيغتيها، نادر الوجود فيما اطلعنا عليه من المصادر، بالرغم من أنه مشهور عنهم جدا.
فماركس نفسه حين أراد تطبيق القانون لم يعبر بذلك. حيث نسمعه في كتابه «رأس المال» يقول:
«إن الاستملاك الرأسمالي، المطابق لنمط الانتاج الرأسمالي، يشكل النفي الأول لهذه الملكية الخاصة التي ليست إلا تابعا للعمل المستقل و الفردي. و لكن الانتاج الرأسمالي ينسل هو ذاته نفيه، بالحتمية ذاتها التي تخضع لها تطورات الطبيعة. إنه نفي النفي. و هو يعيد ليس ملكية الشغيل الخاصة بل ملكيته الفردية المؤسسة على مقتنيات و مكاسب العصر الرأسمالي، و على التعاون و الملكية المشتركة لجميع وسائل الانتاج، بما فيها الأرض» [١].
و كذلك انجلز، فيما سمعنا من التطبيقات و غيرها. و كذلك ستالين و بوليتزر و إضرابهما من المفكرين الماركسيين.
غير أن كتابا ماركسيا حديثا تعرض إلى ذلك بأسلوب يكاد أن يكون ثانويا و استطراديا ... حيث قال:
«لقد رأينا أن ما يبرز بصفة النفي، يتبدل بدوره مع الزمن و يتحول إلى نوعية جديدة، أي نفي نفسه. و هذه السلسلة من النفي لا نهائية. و انه من الخطأ الظن بأن هذا التطور يجري بشكل سلس و بدون تناقضات. الواقع أن التطور التصاعدي السائر إلى الإمام عن طريق النفي يتم بشكل تناقض.
و لتوضيح ذلك نتصور نزاعا بين طرفين حول قضية علمية ما. إن الطرف الأول يقدم فكرة معينة (نظرية) و الطرف الثاني يقدم نفي هذه الفكرة (ضد النظرية). إن كلا من الطرفين المتعارضين يمكن أن يصيب بعض الحقيقة، و لكنهما يعارض أحدهما الآخر من جانب واحد، و يقف أحدهما من الآخر بصفته نافيا له. و تنشب بين الطرفين معركة فكرية تنتهي بظهور فكرة جديدة تنفي الفكرتين السابقتين المتصارعتين فيما بينهما
[١] رأس المال: كارل ماركس ج ٣ ق ٢ ص ١١٣٨.