تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٦٦٠ - الأساس الثالث الأساس الفكري الحديث
الإنسان ملايين السنين.
إلا أن هذا الاستنتاج ناشئ من نظرة مبدئية أو فلسفية لقوانين الكون ثبت عدم صحتها. و لا نريد أن ندخل الآن في تفاصيل (البديل الصالح) لها. يكفينا ما قلناه في هذا الكتاب من نفي وجود القوانين الكونية القائمة على الأساس المادي. و ان المحرك الأساسي للكون هو العوامل العليا الميتافيزيقية. و إذا توصلنا إلى هذه، لم تبق لتلك النتيجة الجيولوجية أية أهمية كما هو غير خفي على من يفكر.
مضافا إلى التشكيك في الأساليب التي يمكن بها معرفة: أن هذه الحالة للعظم- مثلا- لا تحصل إلا بعد عشر ملايين سنة- مثلا. إن هذا ليس مشاهدا للعلماء بطبيعة الحال. و إنما هو استنتاج من تفاعلات مختبرية معينة ... و من الواضح أن احتمال الفرق بين التفاعلات المختبرية و التفاعلات الأرضية الطبيعية على العظم أو غيره، احتمال قائم وجيه، لصعوبة ضبط العوامل المؤثرة جميعا في المختبر. و معه فالنتيجة المأخوذة مختبريا قد لا تصدق في عالم الطبيعة.
الوجه الثاني: ان ما هو المضر بالاستدلال ضد التخطيط العام. ليس هو الماضي، بل هو المستقبل.
فان الفكر الحديث حين يعتقد طول عمر البشرية بملايين السنين، يعتقد انها جميعا مضت في حال عدم دخول البشرية في عصر الوعي و التفكير، و إنما دخلت البشرية في هذا العصر في العشر الأخير من المليون الأخير ...
إذن، فمن المستطاع القول: ان التخطيط الأول المنتج لمستوى الوعي و التفكير، استمر عشرات الملايين من السنين. و اما التخطيطات اللاحقة له، فهي أقصر عمرا منه بكثير. و هذا ممكن بالنسبة إلى التخطيط على أي حال، لما عرفناه من ان فكرة التخطيط خالية عن التحديد بالزمان.
و إنما يتوجه الاشكال- شكليا- بالنسبة إلى المستقبل، كما سمعنا في الاعتراض. و هنا نستطيع القول انه لا يمكن إقامة الدليل (العلمي) على طول عمر البشرية في المستقبل. فان العلم قد يتوصل إلى طول عمر الأرض أو المجموعة الشمسية و تعيين زمان فنائها. إلا أن هذا لا يشمل الإنسان، و لا دليل على ارتباط فناء الإنسان بفناء الأرض. فان المهلكات الطبيعية و التخريبية عديدة. و ان كثيرا من أنواع الحيوان انقرض و بعضها يكاد ان ينقرض، قبل فناء الأرض و المجموعة الشمسية بكثير. فقد يأتي فيه الزمان الذي ينقرض فيه الإنسان. و من غير الممكن ان