تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ١٨٦ - مناقشة المجتمع الشيوعي البدائي
الماضي أبعد كان أشد غموضا و التباسا، فكيف يمكن أن نأخذ مجموعة ضخمة من الحوادث كأنها يقينية الحدوث.
و أما الصفة الثانية: فهي- على الأقل- مخالفة لما ذكره لينين، من أن هذه النظرية تعطي توجيهات عامة، تطبّق هنا على غير الأسلوب التي تطبّق به هناك. و هذا الكلام لا يختلف فيه عهد عن عهد بطبيعة الحال. فكيف تستطيع الماركسية أن تجزم أن كل الصفات التي أعطتها للمجتمع البدائي و الحوادث التي سردتها فيه، قد حدثت في العالم كله.
و أما الصفة الثالثة: فلأن العالم حشد هائل من الحوادث و الظواهر، و إذا نظرنا إلى مجموع التاريخ البشري، كان هذا الحشد أشد ضخامة و أعظم خطرا و هولا، فكيف تستطيع الماركسية أن تتصيد من هذا لمجموع الحوادث «المختارة» لتصنع منها «لوحة تجريدية». و كيف تستطيع أن تقول: ان هذا هو التاريخ دون غيره. إلا أن يكون هذا جزافا من القول، أو يعود إلى فرض النظرية على الواقع على عكس ما أرادته الماركسية.
و مورغان و أبحاثه، ما هي قيمتها من الناحية التاريخية و المنطقية؟! إن مورغان باحث و مؤرخ، و هذا مما لا ينبغي المناقشة فيه. و لكن تبقى هنا عدة نقاط ينبغي فحصها:
النقطة الأولى: ان نظرية تأسيسية جديدة في تفسير التاريخ، لا يمكن أن تتبرهن إلا إذا قامت على مجموعة كافية و واضحة من حوادث التاريخ، بحيث أخذها المؤرخون أمورا مسلّمة و ثابتة. و خاصة و أن الماركسية- كما سبق- أرادت أن تفهم نظريتها من الحوادث، لا أن تطبق الحوادث على نظريتها.
و أما إذا اعتمدت هذه النظرية على أقوال مؤرخ واحد، و على حوادث محتملة و غير ثابتة. فهذا مما يخلّ بثبوت أصل النظرية. كما هو معلوم.
النقطة الثانية: ان مورغان كاتب متأخر، بطبيعة الحال، لم يعاصر العصر القديم للبشرية. كل ما في الموضوع أنه استقى من مصادر و كتب السابقين عليه جملة من معلوماته، و ملأ الفراغات باجتهاداته و آرائه في حدود ما يعتقد أنه مناسب الحدوث في ذلك الحين.
فلئن كان مجموع آرائه مناسبا مع النظرية الماركسية، لو سلّمناه، فإن