تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٥٢٩ - تطور الفكرة المهدوية في التخطيط العام
المصلحية، الشعور باستغلال هذا الجو الصالح بطريقة باطلة. و لا يحتاج ذلك إلى تعب كثير من قبل الفرد المنحرف، سوى ادعاء انطباق مفهوم المهدي عليه، و انه هو المهدي الموعود لاصلاح العالم و القيام بدولة الحق، ليكتسب بذلك الأهمية و الاحترام و الشهرة المقترنة بالمهدي، في الذهنية المسلمة.
و لم توفق أي حركة (مهدوية) إلى اتساع كبير في التاريخ بل لم يوفق، أي مدع منهم إلى مباشرة الحكم و تأسيس دولة كاملة، حسب ما نعرف. و إنما كانت تبوء هذه الادعاءات بالفشل بعد زمن غير بعيد من ابتدائها. و هذا أدل دليل على كذب المدعي إذ لا نعني بالمهدي إلا من يحكم العالم بالعدل، و قد ثبت عدم اتصاف مدعي المهدوية كلهم بذلك.
هذا مضافا إلى ما برهنا عليه في (تاريخ الغيبة الكبرى) [١] من ضرورة طول العمر السابق على إقامة الدولة بالنسبة إلى قائدها، لكي تتسنى له القيادة الكاملة، و ليس المفروض بأحد من مدعي المهدوية اتصافه بذلك، حتى ان أصحابه أنفسهم لا يدّعون له ذلك.
كما ان إقامته الحجة على مهدويته و قيامه بتكوين عقائدي و مفاهيمي و تشريعي كامل، ضروري لاثبات مهدوية الشخص، و ليس في مدعي المهدوية من اتصف بذلك.
إلا ان هذا الاتجاه يذوب بعد موت صاحبه تدريجا، و لا يبقى منه غير النقل التاريخي. و من الممكن التأكيد على أنه ليس لهذا الخط أي أهمية فعلية، و ان انقراض القول به في المذاهب الاسلامية من أهم الأدلة على بطلانه، بعد قيام الدليل القطعي على انحفاظ الحق على الأرض في الجملة.
و هناك اتجاه أصغر بين بعض المسلمين يميل إلى القول بوجود المهدي و غيبته و طول عمره، مع تطبيقه على شخص معين كمحمد بن الحنفية عليه الرحمة أو غيره.
و أهم إيراد على هذا الاتجاه هو كونه:
أولا: خلاف إجماع المذاهب الكبرى في الاسلام، إذ تنفيه عقيدة أهل السنة و الجماعة و عقيدة الامامية معا، في المهدي، بالرغم من اختلافهما الداخلي فيه. و كل ما اتفقت المذاهب الكبرى على نفيه فهو باطل.
[١] انظر ص ٥١٤ و غيرها.