تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٦١٦ - ٤- التاريخ الاسلامي
المبرر الذي أعلنه النبي (ص) بين أصحابه حين اقترح عليهم التعرض لا بل قريش، ذلك التعرض الذي أنتج واقعة بدر الكبرى ... ليس أكثر من قوله (ص): هذه عير قريش فيها أموالهم، فأخرجوا إليها لعل اللّه ينفلكموها [١].
و لكن كانت من وراء هذه (الثورة) الاسلامية الأولى عدة أغراض (قريبة) و بعيدة، نذكر منها اثنين أحدهما (قريب) و الآخر (تخطيطي).
الهدف الأول: إثبات وجود الجماعة الاسلامية الجديدة و قوتها، و تحطيم أطماع قريش بتحطيمها ... الأمر الذي جعل لها الهيبة و الأهمية الاجتماعية التي استطاعت بها أن تقوم بنشاطها على نطاق واسع و كامل لأول مرة.
الهدف الثاني: البدء بتركيز الاسلام و ترسيخه ليبقى مدى الدهر ليؤدي الدور الضخم الذي عرفناه للأطروحة العادلة الكاملة ... في عصري التخطيط الثالث و الرابع، بل و ما بعده إلى فناء البشرية. ان الخطوة المهمة في هذا التركيز كانت متمثلة بغزوة بدر الكبرى.
و قل ذلك في كل الغزوات على الاطلاق بصفتها تتضمن تقوية الاسلام أحيانا و الدفاع عنه أحيانا و توسيع نطاقه أحيانا ... و كلها مقدمات لاداء الدور الضخم الذي عرفناه.
السؤال الثاني: لما ذا انحرفت الخلافة الاسلامية بعد عصر النبوة، حتى أصبحت (ملكا عضوضا) و خرجت عن حقيقة مهمتها الاسلامية المخلصة متمثلة في الخلافة الأموية أولا و العباسية ثانيا، و العثمانية ثالثا. فان الحديث عنها من هذه الناحية حديث مشترك. فانها جميعا تتصف بالتفسخ الديني و الانصراف إلى الملذات من ناحية، أو المشاحنات الداخلية من ناحية أخرى ... مما أوجب الهبوط بالمستوى الاسلامي هبوطا مروعا حتى أنتج زوال الخلافة عن مسرح المجتمع زوالا كاملا. فأي مصلحة تخطيطية اقتضت ذلك؟! ..
ينبغي أن يكون الجواب على ذلك مفهوما، بعد كل الذي قلناه ... حيث يمكن انطلاقه من زاويتين:
الزاوية الأولى: عنصر الاختيار الممنوح للبشرية عموما بما فيهم أشخاص
[١] انظر: السيرة النبوية لابن هشام ج ٢ ص ٢٥٨. هذا و ينبغي أن نضع المبرر الذي ذكره النبي (ص) في موضعه الاجتماعي و التاريخي الخاص، من حيث ان الناس لم يكونوا ليستوعبوا هدفا أبعد من الحصول على المال، و لعل الذكي منهم يلتفت إلى حصول القوة للجماعة من هذا المال.