تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٩٠ - مناقشة الديالكتيك
فسوف يكون الانقلاب أوضح.
و يصدق أيضا ما قلناه في جانب التبخر ... فإن النشيش أو الصعود، لو كان منعدما قبل الغليان، ثم يحدث بحدوثه، لكان تطبيقا للقانون، و لكن الأمر ليس كذلك.
كل ما في الأمر، أن العرف اللغوي تبانى على تسمية كمية معينة من هذه السلسلة الصاعدة من الحركات بالغليان، كما سمى درجاتها الضعيفة بالنشيش. و كان يمكنه أن يسمي أية مركبة أخرى بهذا الاسم أو بأي اسم آخر. و قد أهمل «التصاعد» اللاحق للغليان من اسم جديد. و في الواقع كله تصاعد على غرار واحد، و بارتفاع في كمية الحرارة و كمية التبخر و كمية الانقلاب ليس إلا.
و من هنا نستطيع أن نفهم معنى الطفرة التي لمسها الماركسيون قبل التغير الكيفي فإن العرف اللغوي حين يتبانى على أن درجة معينة من الانقلاب هي المسماة بالغليان، دون ما هو أقل منها ... فإن هذه الدرجة تحدث مع تصاعد الحرارة في لحظة معينة، بطبيعة الحال (درجة المائة تحدث بعد التسعة و التسعين) و لا يكون لها وجود قبل تلك اللحظة. و بمجرد حدوثها يسميها العرف اللغوي «فجأة» باسمها الجديد: الغليان. و هذه المفاجأة هي التي استوحى منها الماركسيون معنى الطفرة و هي مفاجأة لغوية، كما أن فكرة التغير الكيفي أساسا فكرة لغوية، و لا تحتوي من ناحية (علمية) إلا على التغير الكمي.
إذن، فلم نستطع أن نضع يدنا على تطبيق واحد، من أي نوع، يصلح أن يكون تطبيقا كافيا للقانون الماركسي، و حاملا لكل صفاته المطلوبة.
و من مجموع هذه المناقشات ينتج أن الأسس الفلسفية العامة للمادية التاريخية، لم يثبت صحة شيء منها، غير الاعتراف بالواقعية. إلا أن هذا لا ينافي وجود بعض اللمعات في التفكير الماركسي، هو الذي حدانا أن نستشهد بها في هذا الكتاب.