تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٢١ - المناقشة
الكامل المجرد لمصالح البشر و مفاسدهم و آلامهم و آمالهم ... و هذا ما لا يحصل لأي فرد على مر التاريخ.
و معه فكيف نتوقع للقانون أن يثرى و يتكامل تدريجا، على مر التاريخ حتى يصل إلى إدراك العدل المطلق ... إن ذلك لا يحصل إلا إذا حصل الفرد المتجرد المطلق ... و هو مستحيل الحصول من الناحية المادية.
المناقشة الثانية: إن النظرية القانونية، مهما تصاعدت و تكاملت، ليست وحدها الكفيلة بسيادة السعادة و العدل ما بين الناس ... و إنما، لا بد أن تأخذ طريقها إلى التطبيق في عالم الحياة، لتستطيع أن تؤتي ثمارها ناضجة شهية.
و بالطبع ... فإن القانون العادل الشامل، يحتاج إلى أن يشعر كل الأفراد بالمسؤولية تجاه تطبيقه، و لا يكفي أن يأخذ الجهاز الحاكم بزمام المبادرة إلى ذلك، مع كون الأفراد نافرين عنه منكمشين منه ... فإنه في مثل ذلك لن يكتب له النجاح، مهما كانت النظرية صائبة و صحيحة.
و لعمري ... إنه من المتعذر جدا، أن يجد القانون البشري تجاوبا عاما من الشعب على هذا المستوى الواسع ... فلئن تنزلنا- جدلا- عن المناقشة الأولى، و فرضنا واضع القانون البشري مجردا عن الهوى بدرجة كاملة، فإننا لا يمكن أن نفرض الأفراد كلهم مجردين و موضوعيين أيضا!! و إنما لا بد أن ننظرهم من زاوية الواقع، و هو وجود الأنانية و حب المصلحة الشخصية في كل فرد منهم. فلا يطيعون القانون إلا من هذه الزاوية و بالمقدار الذي تقتضيه. و أما حين لا توجد المراقبة القانونية، كان الفرد مخلى بينه و بين مصالحه، لا يعترف بقانون و لا نظام.
و لا يستطيع أي قانون بشري أن يتابع الفرد في خلواته و زواياه، ليضمن التطبيق الكامل لفقراته و بنوده في كل وقت. و يستحيل على الدولة بكل هيمنتها و هيبتها و مؤسساتها، أن تضمن ذلك.
و لئن ضمنته حينا، فلن تستطيع ذلك دائما ... و لئن استطاعته دائما، في فرد أو جماعة معينة، فلن تستطيعه في كل الشعب. كما لن تستطيع تطبيق القانون من قناعة عامة به و عن تجاوب قلبي معه. و إنما سوف يطبق القانون بمقدار ما تقتضيه القوة من ناحية، و المصالح الشخصية للأفراد