تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٤٦ - التمهيد الثاني مناشئ الفكر الماركسي
لفهم الأطروحة العادلة الكاملة.
فإن هذه الأطروحة، المتمثلة بالاسلام، كما سبق أن برهنا في تاريخ الغيبة الكبرى [١]، لاقت منذ أول عهدها المادية متمثلة بعبادة الأصنام ...
تلك المادية الضحلة التي لم تكن تستند إلى دليل إلّا مجرد التقالية و العادات.
ثم ابتليت إبان العهدين الأموي و العباسي بالزنادقة و الشكاكين و اتجاهات متطرفة من الفلسفة اليونانية و الوسيطة. و هي اتجاهات مادية كانت تحاول أن تلبس لبوس الدليل و العاطفة. و لكنها على أي حال، كانت استثناءات من القاعدة الرئيسية التي كانت للمجتمع المسلم و هو التدين بالاسلام، و كانت مغطاة بالوضع العام، لا تبدو على السطح الواضح بصراحة.
و لم تكد تنتهي هذه العهود، إلّا و كانت أوروبا قد بدأت نهضتها الفكرية، و هي مادية الاتجاه عموما تدعو إلى تجاهل وجود اللّه- على أقل تقدير- و فصل الدين عن اندولة و القانون.
و بالتدريج حاول الأوروبيون أن يدققوا ماديتهم هذه و يتعمقوا فيها، و استطاعوا بذلك أن يجعلوا الاتجاه العام نحو المادية بشكل يكون معه الالتزام بالعقيدة الالهية هي الاستثناء ... بخلاف ما كان عليه العصر السابق، حتى في أروبا نفسها.
كما استطاعت أروبا أن تضفي على ماديتها نوعا من الأدلة العقلية و العاطفية لم يكن يستطيعها مادّيّو العصر السابق بحال ... و بذلك تعمق التمحيص الالهي.
و لئن كانت المادية الأولى لعصر النهضة، تقتصر على التشكيك بوجود كل ما هو غير محسوس، و بالتالي غض النظر عن العقيدة الالهية و العدل الإلهي، ان تلك هي مادية الرأسمالية عموما ... فإن المادية المتأخرة المتمثلة بالماركسية أصبحت أوسع من ذلك و أعمق، لأنها مادية مقترنة بفهم عام و مفلسف للكون و الحياة.
... و بذلك تعمق التمحيص الالهي، و أصبح الحصول على الايمان بالرغم من هذه المصاعب العقائدية، غاية في الصعوبة، بالنسبة إلى الفرد
[١] انظر ص ٢٦١.