تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ١٩١ - مناقشة المجتمع الشيوعي البدائي
و هي بالضرورة لا تستطيع أن تنكر، أنهما وجدا قبل أي تطور لوسائل الانتاج و قبل أي وضع اقتصادي أو علاقات الانتاج، و قبل أي وجود طبقي.
بل لا يبعد وجودهما بشكلهما المبسّط قبل وجود المجتمعات، حين كان البشر جماعات متفرقة قليلة الأفراد.
لكننا لا ينبغي ان نخطو إلى الوراء أكثر، لأننا إذا قلنا ان البشرية بدأت من الصفر، حتى بالنسبة إلى التفكير و اللغة، فمن المعلوم ان الدين و الأخلاق لا يمكن أن يدركا من دون تفكير و لا لغة. فإن الدين يتوقف إدراكه على نمو الادراك النظري لدى الانسان. و الأخلاق يتوقف إدراكها على نمو الادراك العملي لديه.
إذن فوجودهما منوط بهذين الأمرين. و غير منوط بأصل وجود البشرية، بناء على هذه النظرية.
نعم لا يمكن أن ننزل بالبشرية، عن مستوى الحيوانات العليا، فإن قلنا- كما يميل إليه بعض الفلاسفة- بوجود درجة من الوعي عند هذه الحيوانات، فلا بد أن نقول بمثله أو بأفضل منه لدى الانسان الأول. و معه فقد يمكن أن نفترض انه يفهم من الدين و الأخلاق شيئا ضئيلا جدا مناسبا مع مرتبة إدراكه. و لعل في حياة العديد من الحيوانات، ما يصلح ان يكون شاهدا على هذا الادراك، و لسنا الآن بصدد تعداده.
هذا و قد سبق أن برهنّا على أصالة الدين و الأخلاق في الضمير الانساني و عدم ارتباطهما بموقف اقتصادي أو اجتماعي معين.
و بطبيعة الحال، كلما ازدادت تجارب الانسان، فردا أو جماعة، ازداد إدراكه النظري و العملي، و كلما ازداد ذلك ازداد للأخلاق و الدين فهما و تعمقا، و اطّلع على حقائق منهما أكثر، و سيأتي تفصيل ذلك عند الكلام عن التخطيط الالهي.
و لعل إدراك الناس للبراءة الأصلية و الفضيلة و الشر و الكبرياء، كأمور سيئة تارة و حسنة أخرى، يحتاج إلى تطور في الادراك العملي إلى مقدار كاف، و ليس من المولّدات الأخلاقية الأولى للذهن البشري ... لكنها غير مربوطة في الحقيقة بانتقال البشرية إلى مجتمع الرق، كما أراد بوليتز أن يقول!!.
- ٩- تبقى كلمة واحدة، بالنسبة إلى تحديد زمن انتهاء عصر الشيوعية