تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٤٠٥ - المرحلة الأولى الأسس العامة للتخطيط الالهي
الحقيقة الأولى: ان بين التخطيط الكوني و القوانين الماركسية فرقا جوهريا، هو: ان التخطيط يندرج في السبب الثاني من الأسباب الثلاثة التي ذكرناها في الفقرة الثانية من هذا العرض، أعني أنه سبب غائي أو استهدافي كما عبرنا. على حين يندرج الديالكتيك و رفاقه في القسم الأول من تلك الأسباب أعني الأسباب الكونية الاضطرارية أو ما يسمى بالقوانين عادة.
و هذا الفرق يجعلنا وجها لوجه أمام ما قلناه قبل قليل: من أن الديالكتيك لو كان صحيحا في نفسه، لقلنا بأنه صالح للاستهداف [١]، و جمعنا بينه و بين التخطيط الكوني، باعتبار أن السببين الأول و الثاني مجتمعان دائما و غير متنافيين، كما عرفنا. و لقلنا أيضا أن قانون الديالكتيك و رفاقه مما جعله الخالق الحكيم في كونه لأجل الوصول إلى الأهداف البعيدة. فإن هذا القانون بحد ذاته، ليس إلحاديا، و انما قرنه الماركسيون بالإلحاد اجتهادا. نعم، هو قانون مادي، بمعنى أنه متعلق بالمادة و يعتبر من قوانينها، على تقدير صحته.
إلا انه قانون غير صحيح، كما سبق ان عرفنا مفصلا؛ و معه ينتج أنه غير صالح للاستهداف، و غير ساري المفعول في الكون.
الحقيقة الثانية: ان التخطيط الكوني، خال من الاشكالات التي كانت واردة على الديالكتيك و رفاقه، و التي فصلناها فيما سبق [٢]. فانها جميعا كانت منطلقة من مفاهيم خاصة بالقوانين الماركسية، يخلو منها التخطيط الكوني تماما.
الحقيقة الثالثة: ان التخطيط الكوني، يحتوي على عدة نقاط قوة تفقدها القوانين الماركسية:
النقطة الأولى: ان الديالكتيك يفسر حوادث الكون و تطورها. و اما بالنسبة إلى أصل وجود الكون فالماركسيون يرون أزليته و انه لا يحتوي على حكمة و هدف بالمرة، كما سمعنا مفصلا.
و اما التخطيط الكوني فهو يفسر حوادث الكون و تطورها، بدلا عن الديالكتيك و رفاقه ... و يفسر أيضا أصل وجود الكون و يعتبره ناشئا عن حكمة و هدف لا محالة، و هو واضح بعد الاعتراف بوجود الخالق، فإن الماركسيين لا يمكنهم أن ينكروا ان الخالق لو كان مطلق الحكمة و القدرة، إذ لم يزعم أحد وجود
[١] أعني وضعه وسيلة في طريق الهدف. و سيتكرر هذا الاستعمال فلاحظ.
[٢] انظر الفصل الخاص بمناقشة الديالكتيك في القسم الثاني من هذا الكتاب.