تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٩٣ - الأسس العامة الاقتصادية و الاجتماعية للمادية التاريخية
الميزة الأولى: إن هناك قوانين تحكمه، خاصة به، و هي منبثقة بدورها من القوانين الكونية العامة و منسجمة معها ... و سنسمع رأي الماركسية في تأثير قوى الانتاج و علاقات الانتاج في تطوير المجتمع.
الميزة الثانية: وجود جو من الحرية و الوعي في تصرف المجتمع، بخلاف الطبيعة، فإن تصرفاتها عمياء عفوية خالية من الوعي و الهدف، حسب ما ترى الماركسية.
و بطبيعة الحال، يكون مقتضى شمول القوانين الكونية الضرورية للمجتمع: أن تكون كل تصرفات الناس «جبرية» ضرورية لا أثر للوعي فيها. إلا أن الماركسية جمعت بين هذين المفهومين المتناقضين: الضرورة و الحرية، و اعترفت بهما معا.
قال انجلز:
«غير أن تاريخ تطور المجتمع يختلف جوهريا في نقطة واحدة عن تاريخ تطوّر الطبيعة. ففي الطبيعة (بقدر ما نحن نضع جانبا رد فعل الانسان فيها) لا يؤثر بعضها في بعض إلّا قوى عمياء لا واعية، و في تأثيرها تظهر القوانين العامة. و ليس هنا أي هدف واع منشود. لا في الأعراض الظاهرية التي لا عدّ لها و المرئية على السطح، و لا في النتائج الختامية التي تؤكد وجود الانتظام في داخل هذه الأعراض.
أما في تاريخ المجتمع، فالأمر بالعكس. ففي تاريخ المجتمع يفعل الناس الذين لهم موهبة الوعي و يعملون بتفكير أو بتأثير عاطفة، و ينشدون أهدافا معينة. و لا يصنع هنا شيء دون نية واعية، و دون هدف منشود» [١].
قال بليخانوف:
«و لكننا في الحوادث التاريخية لا نواجه أشياء جامدة، و إنما نواجه بشرا يعملون، و البشر يتمتعون بالوعي و الارادة. فيحق لنا بالتالي أن نتساءل عما إذا كانت الضرورة- التي لا يوجد خارجها مفهوم علمي للظواهر في التاريخ، كما في علم الطبيعة- لا تنفي فكرة الحرية الانسانية.
و إذا صغنا المسألة بكلمات أخرى، فهي تطرح على النحو التاريخ: هل من سبيل للتوفيق بين الفعل الانساني الحر و الضرورة التاريخية.
يبدو لنا للنظرة الأولى أن ذلك غير ممكن و ان الضرورة تنفي الحرية، و بالعكس.
و لكن الأمور ليست على هذا الشكل إلّا بالنسبة لمن يتوقف نظره عند سطح الأشياء، عند قشرة الظواهر. في الحقيقة ان هذا التناقض «الشهير» هذا التنافي المزعوم بين الحرية و الضرورة ليس له وجود. فإن الضرورة لا تنفي الحرية إنما هي شرطها الأساسي» [٢].
و قال بليخانوف أيضا:
[١] لودفيج نورباخ: انجلز ص ٥٣.
[٢] فلسفة التاريخ: بليخانوف ص ٣٩.