تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٣٦٢ - مناقشة الطور الشيوعي الأعلى
عن الدولة، لكان من المنطقي أن المجتمع حين يعود إلى هذه الشيوعية تارة أخرى، أن يستغني أيضا عن الدولة؛ إلا أن الواقع ليس هو ذلك، بل ان المجتمع البدائي إنما استغنى عن الدولة البدائية و بساطته، و ليس المجتمع الأخير بدائيا بطبيعة الحال. إذن، فوجود الدولة ضروري فيه.
إن الهيئات الاجتماعية و المنظمات العمالية التي تمارس التنظيم العام بدل الدولة، بدون أن يكون لها مجلس مشترك أو ممثلين عامين (و إلا رجعنا إلى فكرة الدولة)، هل تستطيع هذه الهيئات أن تجيب على مثل هذه الأسئلة؟؟:
ما ذا تعمل لو حصل اعتداء خارجي على المجتمع، من قبل دولة رأسمالية مثلا. و ما ذا تعمل لو حصلت تمردات أو مشاغبات داخلية، و قد اعترف لينين بكونها ضرورية. و ما ذا تعمل لو اختلف فردان أو منظمتان في الآراء و التطبيقات، و من هو الذي يؤسس المنظمة و يعين العضوية و يعزل العضو، و يتحكم في تصرفاته. و من هو الذي يضمن اتجاه أعمال المنظمات كلها إلى هدف واحد.
إن الجيش و الشرطة و القضاء بكل أشكاله، و قوانين العقوبات و السجون، بل كل القوانين و كل المجالس المتكفلة بتشريعها و تنفيذها، ستزول بزوال الدولة، لأنها بدورها أداة طبقية، ان المجتمع عندئذ سيصبح لقمة سائغة لأول ضربة داخلية أو خارجية.
و الحق أن الماركسية حين ألغت الدولة، أبدلتها بقوة مركزية أخرى، لكنها تعمل خلف الكواليس، لا تحت النور، و هو الحزب الشيوعي نفسه. و هو الذي يقوم بكل هذه المهام و يحفظ للمجتمع الشيوعي عقيدته الماركسية اللينينية، و يدرأ عنها كيد المناقشات و الاعتراضات في النظرية و التطبيق.
و بدون ذلك، مهما حاولت الماركسية أن تصف من خصائص المجتمع و أفراده، في الوعي و الثقافة و حب العمل، فإن ذلك ما تستطيع البروليتاريا المنظمة، أن تخلقه لو استطاعت، في جيل واحد أو أكثر؛ و أما ضمان بقاء هذا المستوى العالي طوال الأجيال الكثيرة، بدون توقع هبوط أو انحراف أو تمردات، أو اقتراحات في تغيير النظام، أو وجود فلسفات جديدة من نوابغ جدد، حين تكون الحرية محفوظة ... إن ضمان ذلك بدون توجيه مركزي مستمر لفي عداد المستحيلات.