تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٤٧ - التمهيد الثاني مناشئ الفكر الماركسي
الاعتيادي. و لم يبق بإزاء ذلك، إلّا ما سنذكره في النقطة التالية.
النقطة الثالثة: إن الماركسية أوجبت و توجب تعميق الفكر الاسلامي بالتدريج، من حيث لا تعلم؛ و ذلك بعد الالتفات إلى أمرين:
الأمر الأول: ان النقاش الفكري و الجدل العقائدي، موجب بطبيعة الحال، لعمق الفكرة و تدقيق المستوى الثقافي، باعتباره موجبا لا عادة النظر فيما كان يملكه الانسان من فكر و رأي و محاولة صياغته من جديد بشكل يتلاءم و حياته المتطورة، من ناحية، و يدفع عنه إيرادات الآخرين، من ناحية أخرى.
و هذا النقاش النظري، بطبعه، ممحص للأفكار و العقائد، فكثير ما يوجب موت الفكرة و فشلها بالمرة. فيما إذا كانت ضحلة و بسيطة و غير قابلة للصمود الفكري و الاجتماعي. و لا تبقى بعد المرحلة المعمقة من هذا التمحيص، إلّا الأفكار الكبرى، التي تملك القوة الكافية للصمود الفكري و الاجتماعي، تجاه إيرادات الآخرين و التكثيف لمتطلبات الحياة.
و إذا بلغ النقاش أقصاه، و هذا التمحيص غايته، لم يكن في إمكان أي عقيدة أو فكرة للبقاء و الاستمرار، ما لم تكن مطابقة للواقع، و مقدمة للتفسير الحقيقي للكون و الحياة.
الأمر الثاني: إن الأطروحة العادلة الكاملة السائرة نحو التطبيق الكامل على وجه الأرض، بحسب التخطيط الالهي، محتاجة إلى التعميق الكبير في أذهان البشرية، لكي تكون البشرية على مستوى فكري و عاطفي، تكون معه قابلة لفهم و تطبيق القوانين و المفاهيم العميقة التفصيلية التي تعلن في الدولة العالمية يومئذ، كما سمعنا في (تاريخ ما بعد الظهور) و نسمع نموذجا آخر منه في القسم الثالث من هذا الكتاب.
فبضم هذين الأمرين، نستطيع أن نفهم مدى الأثر الضخم الذي تخلفه المادية عامة و الماركسية خاصة في تدقيق الفكر الاسلامي، و تعميق مستواه في أذهان المسلمين. و ذلك على عدة مستويات:
المستوى الأول: محاولة الجواب على الايرادات التي توردها المادية على الدين عموما و الاسلام خصوصا ... و بذل جهد فكري في ذلك ... قد يستبطن الالتفات إلى أفكار و نظريات لم تكن موجودة في أذهان المسلمين.