تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٥٥ - التمهيد الثالث مصاعب النقاش مع الماركسيين
كهذا لصح، و لو عرضتها على شكل آخر لصح أيضا، و لو عرضتها على شكل ثالث لصح أيضا ... فأي الأفكار هي (الماركسية) هل هي ماركسية ماركس أم ماركسية تروتسكي أم ماركسية ماوتسي تونغ أم ماركسية لينين أم ماركسية المحدثين كبولتزر و كوفالسون و غيرهما.
فأي هذه الأشكال هو الماركسية؟! .. ليس هو مجموعها بالطبع ...
لوجود التنافي بينها ... و ليس واحد بعينه أولى بماركس من الآخر ... و من هنا تحار الاشارة في التوجه، و تزول الحديّة في التحديد.
فإذا وصل النقاش بين الماركسيين إلى الأفكار الأساسية، أصبح من الممكن الاشارة إلى فهمين متناقضين ... كلاهما نسميه بالماركسية. فمثلا بينما آمنت الماركسية الأولى بضرورة تغير كل أوضاع المجتمع نتيجة لتطور وسائل الانتاج، قال الماركسيون المتأخرون: إنه إنما يؤثر في تغيير بعض الأوضاع، و في حدود الحرية النسبية دون الضرورة المطلقة.
و هذا المقدار من التناقض مع الفكر الماركسي هو الذي سار عليه الماركسيون المحدثون، بعد مواجهة العاملين السابقين ... و هو اتجاه منفتح في داخل الماركسية يتضمن نقطة قوة من هذه الناحية.
إلا أن هذا الاتجاه يمنى بإيرادين رئيسيين ما دام يعترف كونه ماركسيا:
الايراد الأول: ان الفكر الماركسي الموروث ... ينبغي أن يكون خاطئا جملة و تفصيلا، و يجب إعادة النظر فيه عموما. فإذا علمنا أن هذا الفكر هو الذي قامت على أكتافه ثورة أكتوبر السوفييتية، حتى أن لينين نفسه سجل أهم تطويراته الفكرية بعد الثورة، فضلا عن ستالين ... عرفنا أن الفكر الذي قامت عليه ثورة أكتوبر فكر خاطىء ... و هذه نتيجة مؤسفة بالنسبة إلى كل الماركسيين! ..
الايراد الثاني: الخصيصة الرئيسية للماركسية الموروثة عن ماركس و انجلز ... إنما هي استيعاب الكون و المجتمع بفهم شامل و متجانس، كما سمعنا.
و معه ... فإيرادات الماركسيين المتأخرين و آراؤهم، ان أوجبت الطعن بالماركسية الأولى دون أن تأتي بالبديل ... إذن، فقد خسروا الفهم المستوعب للكون و الحياة. و إن جاءوا بالبديل، لم يكن هو ماركسية، بل هو