تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٤٨٤ - الجهة الأولى في بعثة المسيح
البشري لفهمها.
و الفكرة الثامنة، و هي ازدياد الظلم و الفساد، قد عرفنا أهميتها في إيجاد الشرط الثالث من شروط دولة العدل العالمية، و هو وجود العدد الكافي من المخلصين و إعدادهم لإنجاز تلك الدولة.
و كذلك الفكرة الحادية عشرة، فكرة التمحيص، فانها تشارك في ذلك ضمن مشاركتها في تربية كل أفراد البشرية، ضمن حرية التصرف و الاختيار الممنوحة لهم، كما عرفنا.
و أما الفكرة الخامسة، فهي بمفهومها الصحيح، توازي ما يسمى ب (التقية). و قد شرحناها و أعطيناها الفهم الواعي الكامل في (تاريخ الغيبة الكبرى) [١] و عرفنا ارتباطها بالتخطيط ارتباطا جوهريا، بحيث لو لا ها لزال المؤمنون عن وجه الأرض، و لم يمكن تنفيذ دولة الحق بالمرة.
و قد دفعنا عنها هناك هذا المعنى الضيق، و هو الخنوع للظلم و الصبر الأعمى على كل ظالم، و تحمل كل نوع من أنواع الحكام، مهما كانت صفتهم.
و أما الفكرة السابعة، فتمثل إنجاز اليوم الموعود أعني إقامة (دولة العدل العالمية)، فإن المراد بملكوت اللّه هو ذلك بصفته محققا للهدف الأعلى لخلق البشرية.
و يكون بقيادة القائد الاكبر المهدي (عليه السلام)، الذي يسميه الانجيل ب (ابن الإنسان)، و يصف مجيئه بأوصاف إلهية كبيرة، سنذكرها مع غيرها في الكتاب المخصص للحديث عن التوراة و الانجيل من هذه الموسوعة. و سنعطيها هناك تفسيرها الكامل.
و أما الفكرة الثانية عشرة، و هي نزول المسيح في مستقبل الدهر، فهو ما ثبت
[١] انظر ص ٤١٦- ٤٢٦ منه. و اعلم ان هذه الفكرة الخامسة ذات مفهومين:
المفهوم الأول: الخضوع للحاكم و لكل ظالم و عدم مقارعة الظلم بالظلم (من ضربك على خدك الأيمن فقدم له خدك الأيسر). فهذه صورة و مكثفة و منحرفة عن مفهوم صحيح و هو (التقية) التي أشرنا إليها في المتن.
المفهوم الثاني: الخضوع لتعاليم الحكام الدنيويين و قوانينهم، من دون أن يكون للدين شريعة خاصة به (دع ما لقيصر لقيصر و ما للّه للّه). و هذا ناتج من الشعور بقلة التعاليم الدينية و ضرورة عدم التسيب في المجتمع، فيكون من الأحجى إيكال تنظيمهم إلى الدولة الدنيوية. و هذا من القرائن على عدم وجود تعاليم كافية أساسا في الشريعة المسيحية، و ربما كان ذلك باعتبار الظروف الصعبة التي مر بها المسيح (عليه السلام) فلم يكن من الصالح إنزال شريعة متكاملة عليه. و لا مجال الآن للاطالة بالحديث عن ذلك.