تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٣٦ - التمهيد الثاني مناشئ الفكر الماركسي
بها، تصل إلى ستة عهود ... و ليست التطويرات تصل بالضبط إلى هذا العدد، و لا هي مواكبة من انتقال العهود، عهدا عهدا.
ثانيا: إن أفكار المحدثين ... هل هي أفكار ماركسية أم لا ... فإن لم تكن ماركسية لم يكن لنا معها الآن حديث. و إن كانت ماركسية، فمعنى ذلك وجود الفكر الماركسي باستمرار من عصر ماركس إلى الآن، مع أن مقتضى قانون النفي و الاثبات و قانون التغير النوعي الماركسيّين اللذين سوف نسمعهما ... هو أن يتبدل في كل عهد، الفكر إلى نقيضه، فيصبح الفكر الماركسي غير ماركسي ... مع أنه لم يصبح كذلك في أي عهد من العهود.
إذن صح كون الفكر الماركسي خارجا عن ضروراته التاريخية التي أسسها بنفسه ... أي انه متغير و زائل عن المجتمع طبقا لضروراته نفسها.
الأطروحة الثانية: ان نحسب حساب الوضع العام الذي ولدت فيه الماركسية، بغض النظر عن اتجاه فكري معين.
و بهذا الصدد يمكن أن نضع أيدينا على عدة نقاط رئيسية، تكوّن بمجموعها البيئة الرئيسية التي ولدت فيها الماركسية، و ساعدت على نموها ...
النقطة الأولى: إن أوربا كانت منذ أول عهد نهضتها، في حالة صراع دائم و دائب بين مختلف عناصرها و اتجاهاتها من النواحي الفكرية و الاقتصادية و الاجتماعية، لا يقر لها قرار و لا يهدأ لها بال. فالصراع بين القديم و الحديث قائم على قدم و ساق ... ذلك القديم الذي يمثله الاقطاع و الكنيسة و مجموعة التقاليد و العادات الأولى، و الحديث الذي يمثله قادة النهضة الفكرية عموما. و الصراع بين الاتجاهات الحديثة أيضا قائم. فقد عاشت أوروبا انشقاقات و تباينات عميقة و جذرية بين الفئات من الناحية السياسية إلى جنب النواحي العقائدية و العلمية و الفلسفية و غيرها.
و لسنا الآن بصدد إعطاء أرقام محددة عن هذه الصراعات المتمادية ... إذ يكفينا هذا الوجدان البسيط الذي يحمله المثقف الاعتيادي عن حالة أوروبا خلال الثلاثة أو الأربعة قرون المتأخرة من تاريخها ... و قد تكون الدقة في العرض عن الغريب العجيب، بهذا الصدد.