تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ١٤٠ - مناقشات الوجود الطبقي الماركسي
و منها: ما لا يمكن لأي فرد القيام به عادة، و هي الأعم و الأهم من المصالح العامة، كتنظيم الدفاع و التعليم العام و الطب و البرق و البريد و تأسيس المرافق العامة و الاشراف على الاستيراد و التصدير، و غير ذلك.
و عجز الأفراد عن القيام بذلك، يعود إلى عدة أسباب لا حاجة إلى استقصائها. و إنما المهم أن مثل هذه المصالح، ينحصر ازجاؤها بالدولة لا محالة، و بدون ذلك يكون المجتمع في حالة تسيب كامل، لأن الأفراد كمجموع لا يمكنهم القيام بذلك، لأن تصدي البعض ليس أولى من تصدي الآخرين، و اتفاق المجموع غير ممكن.
فالدولة التي تزجي هذه الحاجات العامة طبقا لمصلحة الأشخاص الحاكمين، بأي دافع من الدوافع: طبقي أو شخصي أو حزبي أو استعماري، فهي دولة ظالمة، و الظلم لا يدوم طويلا، بل ينفتح حينئذ عصر الثورات و التمردات و المتاعب ضدها. لأن الشعب في النهاية، لا يمكن أن يصبر على الضيم طويلا.
و الدولة التي تزجي هذه الحاجات العامة طبقا لمصلحة مجموع الشعب المحكوم، لأنها تتصف بالغيرية و نقاء الضمير، فهي الدولة العادلة، و هي مما لا يمكن عادة وجود المتاعب ضدها. لأن الشعب يريد أن يرتاح تحت ظل حكومته، فإذا و فرت له الراحة، بعد لها، و أحس الناس بذلك، فلا معنى للثورة ضدها إلا من قبل جماعة من الطامعين أو المعتدين.
و بهذا نفهم عدة نتائج مخالفة للماركسية:
النتيجة الأولى: إنه يمكن للدولة أن لا تكون طبقية أو حزبية.
النتيجة الثانية: إن وجود الدولة لا يقترن بالثورات و التمردات دائما، كما تريد الماركسية أن تقول. بل ان الدولة التي تسير طبقا لراحة الشعب و رفاهه، لا مجال منطقي للثورة عليها ... فإن العدل يضمن بقاء الملك.
النتيجة الثالثة: إن وجود الدولة ضروري باستمرار، لأن المجموع لا يمكن أن يزجي الحاجات العامة بأي حال، إلا في فروض نادرة، سوف نوضحها عند الحديث عن التخطيط الالهي العام.