تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٤٦٥ - التخطيط الثاني المنتج للمستوى الفكري العالي
و الانحراف، و ينصح بضرورة حفظ الايمان خلال ذلك، و يتنبأ بوجود دولة الحق و قائدها، و بعودة المسيح في تلك الدولة، على ما سوف نوضحه في الكتاب المشار إليه. و كل ذلك مما ثبتت صحته من خلال فهمنا للتخطيط الالهي العام.
و أما قبل ذلك، فلم ينقل التنبوء من قبل الأنبياء بشك واضح، بما فيهم موسى بن عمران (عليه السلام) [١]. و لعل ذلك لعدم نضج الفكر البشري إلى ذلك الحين ... أو ان مثل هذا التنبوء وجد و لكنه لم يصل إلينا.
نعم، يوجد في كلام نوح و موسى (عليهما السلام)، تأكيد باقتران الطاعة و الايمان بالسعادة و الرفاه الاجتماعيين، كما هو موجود في التوراة و القرآن معا. و هذا أمر صحيح، و هما و إن كانا قد طبّقاه على مجتمعهما بشكل مباشر، و انطلقا منه إلى بيان الثواب الدنيوي على الطاعة، إلا أنهما في الواقع يعطيان القاعدة العامة التي تنطبق في كل عصر؛ و يدعم ذلك أن مجتمعهما لم يوفر الطاعة فلم يحصل على الرفاه المطلوب، على حين سوف يتوفر ذلك المستوى المطلوب من الايمان في مجتمع دولة الحق، فتحصل على ذلك الرفاه، و معه، فمن المستطاع اعتبار هذه النصائح لهذين النبيين نحوا من التنبوء الغامض بدولة الحق أيضا.
و لكن في بعض هذه التنبوءات في التوراة، ما يستحق الالتفات، و هي أنها قرنت في الأغلب- و خاصة في كلام أشعيا و دانيال و طبقتهما- بالتنبؤ بانتصار اليهودية و بني إسرائيل و عاصمتهم أورشليم. فما معنى ذلك؟ بعد قيام البرهان لدينا- كمسلمين- بأن انتصار الحق يكون عن غير هذا الطريق.
و هذا له عدة أشكال من التأويل، سنذكرها في الكتاب المخصص لذلك من هذه الموسوعة. و نذكر الآن منها وجهين:
الوجه الأول: أن يكون التنبوء صادرا من أشعيا و غيره عاما صحيحا، غير مربوط ببني إسرائيل مباشرة، و لكن النساخ المتأخرين للتوراة، و بخاصة أولئك الذين سجلوها بعد تلفها و ضياعها ردحا طويلا من الزمن ... أضافوا هذه العناصر الغريبة كذبا و زورا، رعاية لدينهم و قومهم، و تطبيقا للتنبؤ على ذلك.
إلا ان هذا الكذب لا يعني إسقاط كل النبوءة أو أساسها أو مفهومها العام.
فاننا قلنا في مقدمة «تاريخ الغيبة الصغرى» انه في الامكان الأخذ ببعض مدلول
[١] إلا بالمقدار الذي يدل عليه قوله تعالى: قال موسى لقومه: اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَ اصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ. الأعراف: ٧/ ١٢٧.