تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ١٥٠ - مناقشة الفكر الماركسي في الأخلاق و العدالة
و هذا المفهوم بالذات: لا تسرق. ليس وليد الشعور الاجتماعي بالملكية، بل هو وليد الشعور بالاختصاص، إذ لا أقل من استنكار سرقة طعام الفرد و ثيابه و أموره الخاصة به، سواء كان مالكا لهذه الأشياء أو لا و من هنا لو قلنا بتأخر وجود الشعور بالملكية تاريخيا، فلا أقل من الشعور بالاختصاص منذ وجدت البشرية، بل هو موجود عند الحيوانات أيضا بنحو آخر. و هذا الشعور يلازم بطبعه مع الشعور بقبح السرقة و إعطائها قيمة رديئة، لأنها تنافي هذا الشعور، و تعني سلب الاختصاص.
و كذلك الحال في المجتمع الشيوعي الذي تهدف إليه الماركسية، فإن الملكية الخاصة غير موجودة فيه، و لكن الاختصاص موجود فيه لا محالة، فيما يمت إلى الأفراد بصلة. و من هنا يكون هذا المفهوم الاجتماعي صادقا تماما، و لا تنتفي مبرراته الواقعية، كما يريد انجلز أن يقول.
إن المجتمع الواعي و المرفه الذي يصبح من العمق الفكري بحيث يعد السارق في حكم المجانين ... هذا المجتمع يحتاج إلى هذا المفهوم أيضا، بل هو مطبق له تطبيقا كاملا، و إلا لم يصبح السارق مجنونا و لكان قد أحسن صنعا في نظر الناس. و ليس معنى التطبيق الكامل لبعض القضايا أو الأحكام، أن تصبح تلك القضية خالية من المعنى. نعم، حاجة الناس إلى الوعظ و التنبيه تكون منتفية، لأنهم ملتفتون إلى ذلك دائما، إلا أن ذلك لا يعني كذب القضية أو سفاهتها، بشكل من الأشكال.
- ٢- و إذا تم لنا الشعور الانساني بقيمة معينة لقضية واحدة أو قضيتين، الذي هو معنى حكم العقل العملي باصطلاح المناطقة ... أمكن القول بوجود عدة قضايا يشعر بها الانسان بنفس المستوى.
و لئن كان الشعور العملي عند الانسان البدائي قليلا، لبساطة الحياة ... فإن هذا الشعور ينمو بنمو الحضارة و المدنية الانسانية، لوضوح أن الحياة كلما تعقدت، ازدادت التوقعات الصالحة من الفرد، و ازداد العتب عليه كلما خالف هذا الشعور الانساني العام.
و معه يصبح مجموع القضايا التي يمثلها الشعور العملي البشري كبيرا يمثل «علم الأخلاق» و يمثل العدالة بمفهومها «الميتافيزيائي»!! المطلق.