تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٩٦ - الأسس العامة الاقتصادية و الاجتماعية للمادية التاريخية
«بيد أن هذه الحقيقة تتسم بالجبرية الصارخة، لأنها تعود و تزعم أن تاريخ الانسانية محدد سلفا، حتى في جزئياته القليلة، بالخصائص العامة للطبيعة البشرية. إن الجبرية هنا تنشأ عن اختفاء الخاص في العام.
و يمكن القول، كما في العادة: ما دامت جميع الحوادث الاجتماعية محددة بالضرورة، فليس لعملنا أي اعتبار. و هذه فكرة صحيحة لم يحسن صياغتها، إذ كان من الواجب القول: إذا كان العام يقرر كل شيء، فينجم عن ذلك أن الفردي (بما فيه مجهودي) ليس له أية أهمية ان مثل هذه النتيجة صحيحة تماما، و إن كان استعمالها يجري بصورة خاطئة. و عند تطبيق هذه الفكرة مع المفهوم المادي الحديث عن التاريخ حيث يترك حيزا للعمل الفردي، لا يعود لها أي معنى» [١].
و قال كوفالسون:
«إن الجبرية (الاعتقاد بالقضاء و القدر) تؤدي على العموم إلى خرافات و سخافات، بتحويلها الصدفة إلى حتمية تاريخية.
أما الارادية التي تعتبر التاريخ مجرد إنتاج لابداع الناس الحر، لارادتهم الحرة و لاختيارهم الحر لأهدافهم، فإنها تتخبط في مأزق أمام كثير من المسائل. مثلا من وجهة النظر هذه كيف يفسر الدافع الأساسي التالي، و هو أن نتائج النشاط في التاريخ تكون أحيانا كثيرة جدا مناقضة للأهداف التي وضعها الناس نصب أعينهم. إن الناس يتمنون الخير، و لكنهم يصنعون الشر أحيانا» [٢].
- ٦- و لعل أوضح بيان في أسلوب الجمع بين الضرورة و الحرية، من الناحية الاجتماعية، هو ما ذكره كوفالسون، حين قال:
«إن كان جيل جديد من البشر يجد عند دخوله حلبة الحياة، ظروفا اجتماعية جاهزة، مصنوعة قبل ظهوره، و يفعل و يتصرف على أساسها، و يصنعها من جديد أو يغيرها. و هذه الظروف تنشئ إمكانيات معينة لأجل هذا النشاط أو ذاك.
ثم إن مستوى التطور المبلوغ سابقا، يحمل معه طائفة معينة من القضايا الاجتماعية، فيدركها الناس و يستهدفون حلها. و لهذا لا يمكن فصل النشاط عن الظروف الموضوعية التي يتحقق في إطارها. إلا أن وجود هذه الظروف الموضوعية لا يقلل البتة من شأن و استقلال نشاط الانسان، بل يتيح- بالعكس- فهم هذا النشاط على نحو أفضل» [٣].
[١] دور الفرد في التاريخ: بليخانوف ص ٩٧- ٩٨.
[٢] المادية التاريخية: كوفالسون ص ٤٣.
[٣] المصدر نفسه ص ٤٣.