تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٣٦٤ - مناقشة الطور الشيوعي الأعلى
و أما الأخلاق التي تريد الماركسية أن تعوض بها عن القانون، فلا ينبغي أن ننسى كلام انجلز عنها، الذي سمعناه عند عرض المفهوم الطبقي لدى الماركسية ... إذ قال فيما قال:
«و لهذا فاننا نرفض كل طمع في أن تفرض علينا أية عقائد أخلاقية كقانون إضافي سرمدي نهائي، إلى أن قال: و لن يصبح ممكنا وجود أخلاق إنسانية حقا موضوعة فوق التعارضات الطبقية و ذكراها، إلا في مستوى للمجتمع لا يكون قد تم فيه فقط التغلب على التعارض الطبقي، بل قد نسي فيه أيضا، في ممارسة الحياة اليومية، ما ذا كان هذا التعارض» [١].
و لئن ارتفعت الطبقات و زال التعارض الطبقي في الطور الأعلى، فإن هذا التعارض لن تنسى حقيقته و دوافعه بأي حال، و خاصة في الجيل الأول الذي يكون طليعة الطور الأعلى و رائده، و هو الذي تريد الماركسية قيادته عن طريق الأخلاق. إن أخلاقه سوف تكون أخلاقا طبقية، كما قال انجلز و هي لا تصلح للتعويض عن القانون، في نظر الماركسية، بطبيعة الحال.
و قال كوفالسون، بعد أن أعطى تعريفا للأخلاق:
«و لكن هذا لا يعني أن الادراك الأخلاقي أو الشعور الأخلاقي غريزيان فطريان؛ فإن الأحكام الأخلاقية تصبح حافزا داخليا للانسان بنتيجة التربية و استيعاب التقاليد و الأخلاق و العادات و الاعراف القائمة في المجتمع» [٢].
فإذا كانت الأخلاق ناشئة من الأعراف و التقاليد، إذن فالقانون السائد في الطور الأعلى، هو العرف و التقاليد ليس إلا.
و لكن هل تريد الماركسية من ذلك: مجرد العرف الساذج، إذن فستتورط- أولا-: بعدم استمراره أكثر من جيل أو جيلين، فإن الاعراف متغيرة باستمرار. كما انه سيكون- ثانيا- مختلطا بعقائد دينية تنفر منها الماركسية في الطور الأعلى تماما. على ان العرف و التقاليد- ثالثا: غير قابلة أساسا أن تكون قانونا كاملا للمجتمع بأي حال. فإن فيها عادة نقائص عن قضايا مهمة لا يدركها ابن الشارع الذي يبني العرف و التقاليد، كما ان فيها زوائد ينبغي تهذيبها. و لئن افترضنا أن الماركسية استطاعت حذف الزوائد، فهي لا يمكنها ان تضمن إضافة النواقص في الذهن العرفي الساذج الذي لا يدرك القضايا
[١] نصوص مختارة: انجلز ص ١٦٠- ١٦١.
[٢] المادية التاريخية: كيلله، كوفالسون ص ٣٠٤.