تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٤٤٥ - التخطيط الأول المنتج للوعي و التفكير
و محاولة تذكر ما عاشه من حياة و حوادث سابقة.
فكل هذه المميزات، و غيرها، هي التي ساعدته بشكل أكيد، على النمو و التكامل باتجاه الوعي و التفكير.
و قد وجدت هذه الصفات في الانسان- من زاوية فهمنا التخطيطي- نتيجة للتخطيط الكوني، فهي واقعة في طريق أهدافه، بطبيعة الحال. كما ان نتائجها و هو التطور إلى الوعي فما بعده، واقع في هذا الطريق أيضا.
و قد أصبحت هذه الصفات، النقاط الأساسية الأولى للتخطيط العام للبشر ابتداء من تخطيطها الأول الذي نتحدث عنه الآن، فما بعده، فانها هي التي جعلت فيه قابلية التطور دون سائر الحيوان. و هذا أحد نقاط الارتباط بين التخطيطين الكوني و البشري اللذين عرفناهما.
- ٤- لا حاجة لنا إلى التعرض إلى أسلوب الحياة للانسان الأول، و طريقة معيشته، في تلك الفترة ... و هل انه كان يعيش على الأشجار- كما سمعنا من انجلز- أو في الكهوف أو في أماكن أخرى، أو أن أساليبه كانت تختلف باختلاف مستواه من ناحية و بيئته من ناحية أخرى.
إنما المهم ان الانسان استطاع بخصائصه تلك أن يفيد من تجاربه تدريجا، فيحاول أن يحمي نفسه من الحيوانات المعتدية، و من الطوارئ الطبيعية، و أن يقتل الحيوان، و أن يلتفت إلى نمو الأشجار، و أن تزداد أصواته و تعابيره تعقيدا حتى تكوّنت له بلغة بدائية، فاستطاع بها ان ينقل أفكاره و تجاربه إلى الآخرين. و بذلك استطاع أن يدخل عصر التفكير، و يكون المجتمعات الواعية.
و ليس لنا ان نعطي تاريخا معينا حديا لوجود الوعي، لأنه وجد بالتدريج البطيء و لعل تكون الوجود اللغوي لأول مرة، هو أول دليل مباشر على وجود التفكير.
كما اننا لا حاجة لنا إلى افتراض ان هذا التدرج البطيء احتاج إلى ملايين السنين، كما يميل إليه أنصار الفكر الحديث عموما. بل يمكن القول بأن خصائص الانسانية التي عرفناها يمكن ان تمشي بهذا التدرج قدما بحيث لا يستغرق غير آلاف قليلة من السنين، إذا أردنا التحفظ و الاحتياط من جانب الكثرة. فإن أردنا الاغراق قلنا انه يكفينا المليون من السنين. و لا حاجة إلى افتراض الملايين كثمانين أو مائة مليون