تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ١٠٥ - مناقشة الفكر الماركسي في الحرية الفردية و علاقات الانتاج
الفلسفة أن هذا الخالق قادر مطلق و حكيم مطلق و مختار في تصرفه. يكفينا من ذلك الآن أن الخلاف مع الماديين إنما هو في وجوده، مع التسالم على أنه لو كان موجودا لكان كاملا «مطلقا» و لم يدع أحد وجود الاله الناقص.
كما ثبت أن كل فعل اختياري، لا بد أن يكون ناشئا من هدف و غرض، معينين، و هذا ما اعترفت به الماركسية، كما سمعنا قبل قليل.
فكيف إذا كان الفاعل قادرا و حكيما مطلقا.
... إذن، فلا بد أن تكون أهداف الخالق الحكيم من وراء خلق هذا الكون العظيم .. في غاية العمق و الدقة و الأهمية. و حيث أنه القادر المطلق، فهو- إذن- قادر على تنفيذ أهدافه من خلقه، بأي شكل من الأشكال.
و الفاعل الحكيم يستحيل عليه نقض الغرض، أي أن يخالف أهدافه و يفعل ما لا يحققها أو ما يحقق أضدادها. فهو إذن- بالضرورة- يتسبب بقدرته إلى تحقيق تلك الأهداف و الأغراض. و لا تكون هذه الضرورة منافية لقدرته، باعتبار انسجامها مع إرادته و حكمته. مع وضوح أن استحالة نقض الغرض (حق ارفاقي) للفاعل، و لا يمكن أن يتضمن تحميلا قسريا بالنسبة إليه.
و نحن باعتبار كوننا موجودين في داخل الكون، و محكومين بقوانينه و أسبابه، لا تستطيع أن ندرك بالتفصيل، خصائص تلك الأهداف. غير أننا نعلم، على وجه الاجمال، تبعا للاعتقاد بالحكمة المطلقة لخالق الكون، و استغنائه المطلق عن خلقه: ان خلق الكون من أجل أن يصل الكون إلى كماله، أعني أحسن واقعية يمكن أن يصل إليها في طريق حركته نحو الأفضل. غير أننا لا نستطيع أن ندرك شكل هذا الكمال، إلا بعد حدوثه.
و هذا السبب، المسمى بالعلة الغائية في اصطلاح الفلسفة، شامل للبشرية أيضا في حياتهم الفردية و الاجتماعية، بصفتهم أيضا جزءا من الطبيعة. غير أنه يكتسب صيغة أخص و أوضح. و ذلك بأن نقول: أن الهدف من إيجاد البشرية هو إيصالها إلى كمالها، أعني- أيضا- أحسن حالة واقعية يمكن أن تصل إليها في طريق حركتها نحو الأفضل.