تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ١٨٥ - مناقشة المجتمع الشيوعي البدائي
مناقشة المجتمع الشيوعي البدائي
- ١- من الطريف أن الماركسية تتكلم عن أغلب بل عن جميع تشكيلاتها أو عهودها الخمسة، بشكل تجريدي، و تنظر إليها نظرا رياضيا، في حين أن المجتمع هو واقع تاريخي أكثر منه أي شيء آخر.
فمن المعروف أن هناك فرقا كبيرا بين الدائرة الهندسية التجريدية التي يتصورها الذهن، و بين أية دائرة فعلية يرسمها أي انسان، مهما كان فنانا فكذلك يلمس القارئ الفرق بين ما تقوله الماركسية بشكل تجريدي عن تطورات المجتمع، و ما يراه في الواقع من لحم و دم و أفعال و أقوال.
إن هذا التجريد الماركسي يتصف بعدة صفات رئيسية:
الصفة الأولى: التسليم المطلق بأن هذه الأشياء قد حدثت فعلا، من دون إعطاء أي مجال للتشكيك أو الاحتمال. و كلما كان الحادث أو الظاهرة أقرب في نظر الماركسيين إلى نظريتهم، كان حدوثه أكثر يقينا و تأكيدا.
الصفة الثانية: إن هذه الأشياء قد حدثت أو تحدث في العالم كله بدون استثناء، و بدون أي تمييز.
الصفة الثالثة: إن شيئا آخر غير هذا التجريد الرياضي لم يحدث و لن يحدث؛ و كلما خالف ذلك، فهو كذب، ان أمكن تكذيبه، و إلا فهو لا بد مندرج في هذا التجريد على كل حال.
في حين أن كلا من هذه الصفات، قابلة للمناقشة:
أما الصفة الأولى: فلأن ما هو المعلوم باليقين من التاريخ، هو الواقع المعاش، و بعض الأمور الواضحة من الماضي، و كل ما عداه، فهو محتمل الوجود و العدم. كالأعم الأغلب جدا من أمور الماضي و المستقبل. و قد سمعنا اعتراف انجلز بأن حوادث الماضي غامضة و مشوشة؛ و كلما كان