تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٤٩٦ - الجهة الثانية في الديانات الفارسية و الهندية
ثانيا: ان المستوى الفكري العام، لم يكن يساعد- بطبيعة الحال- على إيضاح كل الحقائق المجردة جملة و تفصيلا. و انما كانت الحقائق تذكر تدريجا و بالمقدار المناسب.
و معنى ذلك ان هناك عددا من الحقائق، تبقى غير مبينة للناس، باعتبار صعوبتها على المستوى العام. و هذا هو ديدن النبوات قبل نزول (الأطروحة الكاملة).
و يستلزم خفاء تلك الحقائق، ان الناس قد يلتفتون إلى هذه المشكلات، تدريجا، و لا يجدون في شرائعهم أو تعاليمهم حلالها، فيضعون لها حلا من افهامهم الخاصة، و يعتبر ذلك بالتدريج حلا دينيا، فيصبح الدين الذي يؤمنون به خليطا من الحق و الباطل.
ثالثا: ان هذه الدعوات، لم تمارس نشر افكارها بالسيف عن طريق الجهاد.
و معنى ذلك: انها اهملت حمل هموم هداية العالم في انفس المؤمنين بها. و لا بد أن يكون ذلك لعدم مساعدة الظروف الموضوعية لذلك.
و يستلزم ذلك- في الذهن الساذج- التقوقع في الايمان، و الشعور بمحدودية الدعوة في منطقة معينة، و ان كل ما في هذه المنطقة من أفكار و تقاليد هو معترف به من قبل تلك النبوة، ما لم تنص على الغائه أو النهي عنه. فيكون هذا بابا واسعا لأن ينسب إلى الدين ما ليس منه.
و نتيجة لهذه النقاط و نحوها، يمكن ان نفهم الجواب عن السؤال الرئيسي و هي ان مضاعفات الانحراف غير موروثة عن الأنبياء أنفسهم، و انما ناتجة عن المجتمع الحاوي على عدد من نقاط الضعف.
و بمثل ذلك يمكن ان يفسّر خفاء ادعائهم للنبوة؛ كما يمكن ان يكونوا قد اهملوا ذلك بأنفسهم، لمصلحة معينة أو لعدم استيعاب المجتمع لفكرة النبوة. و قد سمعنا عن زرادشت انه ادعى النبوة، و لعل الآخرين قد ادعوها و لم تف المصادر بذلك.
و لا يخفى ان التشويه إذا بلغ إلى هذه الدرجة، كتحول بوذا من نبي مربّي إلى صنم معبود، و غير ذلك، فانه يعيق ما توخّته النبوة نفسها من التربية المطلوبة، إلى حد غير قليل.
صحيح، اننا قلنا ان النبوات تربي المستوى العام للمجتمع سواء المؤمنين بها أو الكافرين، إذ يكفي مجرد الالتفات إلى المعاني المعينة التي يقولها نبي معين، إلى انفتاح