تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ١٥٣ - مناقشة الفكر الماركسي في الأخلاق و العدالة
كما ان تطور الشعور العملي خلال تاريخ البشرية، لا يدل أيضا على عدم وجود العدالة المطلقة، كما تريد الماركسية أن تقول. فإن هذا التطور صحيح ضروري تبعا لتطور الفهم البشري العام للكون و الحياة و ازدياده تدريجا، و كلما ازداد الفهم ازدادت التوقعات العملية كما أشرنا. كل ما في الأمر أن الذهن الضيق الموجود في العصر القديم، لا يدرك من القضايا العملية إلا بعدد قليل و من زوايا معينة. في حين أن الذهن المتفتح و المعمق الادراك، يستطيع أن يلم بالقضايا العملية من مختلف زواياها و خصائصها.
إذن فتطور البشرية يوجب تطور الادراك العملي و ازدياد توقعات تطبيقها، كفرسي رهان.
هذا، و إن الاختلاف في الادراك العملي بين المقننين، لا يعني اختلاف الشعور العملي العام، فإن دافع القانون، يتأثر لا محالة بعدة عوامل ليس كلها عقلية أو عامة، بل فيها الشعور العاطفي الشخصي أو الحزبي أو المذهبي أو القومي أو غير ذلك، مما يكون مانعا عن اتباع العدالة المطلقة و الشعور العملي العام، مما يجعل المقنن- في واقعه- منحرفا عن العدالة المطلقة و عاصيا لها.
و من هنا نفهم مزية من أهم المزايا للتشريع الالهي عن التشريع الوضعي. فإن المقنن الوضعي يتأثر بتلك العوامل بالضرورة، و بمقدار تأثره يبتعد عن مصلحة المجتمع و العدالة المطلقة، بخلاف المشرع الالهي، لوجود الحكمة المطلقة لديه، و عدم صدق المصالح الضيقة في حقه، كما هو واضح. و سوف لن يكون هذا الرأي غريبا علينا بعد أن برهنا على وجود الخالق المدبر للكون فيما سبق.
- ٦- و هنا، بعد أن تكلمنا عن العدالة، لا بد أن نفرز الأخلاق بكلمة:
ان الشعور العملي العام هو الأساس للعدالة في القانون و الأخلاق معا. و من هنا يصطلح على قيمة السلوك القانوني و غير القانوني بالقيمة الأخلاقية.
و الأخلاق بهذا المعنى تحدد و تقيم السلوك عموما. في كل أشكال العلاقات الخاصة و العامة، فتعطي لعدد من الأفعال شكل الالزام و لبعضها شكل الرجحان و كذلك في جانب الترك و الارتداع. غير أن جانب