تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٣١ - التمهيد الأول المضمون المشترك بين المادية التاريخية و التخطيط الالهي العام
و قد مرت البشرية خلال ذلك بعدة مراحل، كانت كل مرحلة منها أفضل من سابقتها، تدفع بعض ما فيها من نواقص، و تضفي عليها ما تستطيعه من تطورات.
و هي مراحل عديدة، سارت فيها طبقا للقوانين الكونية من ناحية، و لقوانين خاصة بها، من ناحية أخرى ... و يمكن القول- إلى حد ما- ان البشرية تعيش خلال الزمن المعاصر، المرحلة ما قبل الأخيرة من تاريخها الطويل ... و لم يبق أمامها إلا تلك المرحلة التي يتحقق فيها الأمل الوردي الذي يتساوى فيه الناس و يعيشون من رفاه و سعادة ... و ستبدأ البشرية يومئذ تاريخا طويلا و مجيدا.
و هذا اليوم هو اليوم النهائي من تطور البشرية ... الذي لا يخلفه يوم آخر سيئ. بعد أن يتطور فيه الانسان تطورا ضخما، و يكتسب وعيا جديدا، يستطيع به أن يخط تاريخه الطويل الجديد بحروف رشيدة و خطوات رصينة و ان التاريخ الأساسي للبشرية هو الذي يبدأ منذ ذلك الحين ... و إنما نعيش الآن عصور ما قبل التاريخ!!! ... تماما كما يعيش أجدادنا عصور ما قبل التاريخ بالنسبة إلينا! ...
و نحن الآن إذ نعيش في العصر السابق على المستقبل الموعود ... و إن كنا نستطيع أن نعطي اللمحات المهمة عن صفات ذلك العهد الأغر ... إلا أن عدم معاصرتنا له، و عدم مشاهدتنا لمقدار عمقه و حقيقة وعيه ... إلى جانب ارتباط أفكارنا بواقعنا و وعينا المعاصر ... كل ذلك يوجب عجزنا عن أن نصف العمق الحقيقي الكامل لذلك المستقبل الموعود، و النظام التفصيلي الذي يسوده. و إنما المهم الآن أن نعرف باليقين أنه يوم آت لا محالة، و به تتحقق الراحة الكاملة للبشر أجمعين. و لعلنا نستطيع- إلى جانب ذلك- أن نلم بقليل من صفات ذلك المجتمع الموعود.
هذا هو المنطق المشترك الذي يتفق فيه هذان الاتجاهان المستقطبان.
و لكننا إذا تقدمنا نحو التفاصيل خطوة أو خطوات، نجد الاختلافات الأساسية بوضوح في عدة جهات:
أولا: في تشخيص ماهية القوانين الكونية الشاملة للبشرية.
ثانيا: في تشخيص القوانين التي نختص بالتاريخ البشري و تطويره.