تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٨٥ - مناقشة الديالكتيك
و أما الالتزام بأزلية الأجزاء على كثرتها و تشتتها ... فهذا أيضا غير محتمل، فلأن الأجزاء توجد و تفنى باستمرار، و لا يمكن لأي جزء يعينه أن يبقى محافظا على وجوده منذ الأزل. فإن معنى الحركة- حتى في الفكر الماركسي- هو زوال أشياء و حدوث أشياء أخرى، طبقا لقانون الديالكتيك أو غيره. و الكون متحرك باستمرار، و لا يمكن أن يكون ساكنا.
فإذا لم يكن الكون، لا بمجموعه و لا بأجزائه أزليا، فهو حادث- إذن- في لحظة معينة. فيدور أمره بين الالتزام بالصانع الحكيم أو القول بالصدفة المطلقة التي تبرأت الماركسية من مجرد التفكير بها.
و قد يخطر في الذهن: أن معنى أزلية الكون ليس هو ما قلناه، بل بمعنى أن الكون عبارة عن مجموعة من الحوادث المتتابعة من الأزل و إلى الأبد، فأي واقعة لاحظناها وجدناها مسبوقة بأخرى، و هكذا إلى ما لا يتناهى. و هذه السلسلة المتتابعة هي التي تحفظ للكون أزليته.
و جوابه: ان هذا الشكل من التتابع، ما لم يصل إلى الفاعل الخارجي أو الخالق الحكيم، الذي يوجد السلسلة بشكلها اللامتناهي أو يقع في أولها، فلا تكون لا متناهية في العدد ... ما لم يكن هذا الشكل مستحيلا، كما سنذكر في النقطة التالية.
الزاوية الرابعة: إن أزلية الكون، بأي شكل، لو سلمناها، لا تبرر وجوده من دون فاعل خارجي. فإن عدم افتراض هذا الفاعل يؤدي إلى ما يسمى باصطلاح الفلسفة بالتسلسل و هو محال. إذن يتعين القول بوجود الفاعل الخارجي حتى مع الالتزام بأزلية الكون.
و انطباق فكرة التسلسل، واضحة على هذا التقدير ... فإن ترتب الأحداث و الوقائع الكونية على بعضها البعض، مما لا ينكره أحد، سواء كان بنحو ديالكتيكي أو علمي أو على شكل ثالث ... إذن فوجود هذه الحادثة مستند إلى حادثة قبلها، و تلك إلى ما قبلها، و هكذا إلى ما لا نهاية. و هذا هو معنى التسلسل.
و أما استحالة التسلسل، فنحن لا نحتاج في إثباتها إلى دليل عقلي معقد، لكي تنكره الماركسية بصفته ميتافيزيقيا أو مثاليا!! .. و إنما الوجدان حاكم باستحالته، إذ يكفي مجرد تصوره إلى استنكار حدوثه.