تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ١٤٢ - مناقشة الفكرة الماركسية عن الدين
أو عجزهم. لوضوح أن الجهل و العجز يمثلان نقصا في التكوين البشري و لا يستند بأي حال إلى وسائل الانتاج. فاستناده إلى هذين العاملين، يعني عدم استناده إلى ذلك العامل.
و معاصرة الجهل و العجز لوسائل الانتاج البدائية، لا يعني كونها ناشئة منها، لوضوح إمكان كونها أمورا متعاصرة ليس بينها سببية.
و قد يخطر في الذهن: ان الجهل مستند إلى عدم وجود وسائل الانتاج المتطورة، التي أوجدت العلوم المختلفة بعد ذلك، و فتحت البشرية ذهنيا على كثير من الحقول الكونية. و من ثم يكون الجهل مستندا إلى وسائل الانتاج بشكل و آخر.
غير أن هذا لا يعدو أن يكون مغالطة في التعبير، لأنه أصبح مستندا إلى «عدم» وسائل الانتاج المتطورة، و هذا ليس استنادا فعليا إلى أية درجة ناجزة من وسائل الانتاج، كما تريد الماركسية أن تقوله في الأشياء جميعا.
و اما استناد وجود الجهل إلى الدرجة الناجزة القديمة من وسائل الانتاج، فهو مما لم تستطع الماركسية أن تقوله باعتبار وضوح بطلانه، فإن استناده إلى غير اليد واضح لليقين بتقدمه عليها. و أما استناده إلى اليد كوسيلة للانتاج، فهو مما يدعو إلى السخرية، لوضوح أنهما: أعني اليد و الجهل وجدا معا في الانسان، و ليس بينهما أي شكل من السببية. و القول باستناد الجهل إلى اليد ليس بأوضح من القول باستناد اليد إلى الجهل!! .. و خاصة و ان الجهل كان موجودا في عصر لم يكن الانسان ملتفتا إلى استعمال يده في الانتاج بالمرة [١]. و من ثم لم تكن يده وسيلة للانتاج، و من ثم لم يكن هناك أي وسيلة للانتاج بالنسبة إلى الانسان.
و إذا لم يكن الجهل مستندا إلى وسيلة إنتاج، و إنما هو صفة طبيعية للبشر غير المتعلم أو القديم ... فاستناد الدين إليه يعني عدم استناده إلى أية وسيلة إنتاج. و من هنا يكون القول الماركسي باستناد الدين إلى أشكال بدائية جدا من وسائل الانتاج، منافيا معه. فكيف سمحت الماركسية لنفسها أن تتكلم على شكلين متناقضين.
[١] طبقا للمفاهيم الحديثة تقدم البشرية عشرات الملايين من السنين. و هو مما تعترف به الماركسية.
و سنناقشه عند الحديث عن التخطيط الالهي.