تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ١٠٧ - مناقشة الفكر الماركسي في الحرية الفردية و علاقات الانتاج
نشعر به وجدانا، كما لا معنى للخير و الشر، كما لا معنى لاعطاء أية قيمة لفعل الانسان، فلا يستحق أحد شكرا و لا عقابا.
و لكن الانسان، بالرغم من كونه مختارا، لا يستطيع أن يتحكم في السببين الأولين النافذي المفعول عليه.
أما السبب الأول: فهو قسري التأثير بالنسبة إليه، لا اختيار له تجاهه، لوضوح أن كل من ألقى نفسه من شاهق، فهو يسقط، و كل من أدخل يده في النار، فإنها تحترق.
و بهذ السبب تتحدد الظروف التي يستطيع الانسان بذل النشاط من خلالها. لوضوح أن الانسان لو كان يستطيع أن يخالف قانون الجاذبية- مثلا- لكان نشاطه بشكل يختلف عن نشاطه حال عدم استطاعته لذلك.
إذن، فقانون الجاذبية- مهما فسرناه- يحدد ظرف سلوك الأفراد و يحدد من نشاطهم عموما. و كذلك الحديث عن غيره من القوانين.
إلا أن هذا السبب بالرغم من قسريته، لا يحول الأفعال الانسانية إلى قسر. فإن احتراق اليد بالنار قسري، لكن إدخالها فيها اختياري على أي حال. و ذلك: لأن الانسان إنما يكون مختارا فيما هو قادر عليه، و هو غير قادر على أن يخالف القوانين أو الأسباب العامة بالضرورة. فهو قادر- مثلا- على أن لا يدخل يده في النار، و لكنه غير قادر على عدم احتراقها لو دخلت.
و هذه الظروف التي توفرها الأسباب العامة، إطار واسع- حسب تعبير الماركسيين- يمكن أن يتصرف الناس خلالها.
و أما السبب الثاني: فليس له أي قسر مباشر بالنسبة إلى الأفراد.
و لكن حيث أنه يتضمن تحديد أهداف معينة من خلق الكون و البشرية، تحدث بالضرورة ... ينتج من ذلك: أن الانسان يستطيع أن يحدد أهدافه القصيرة، لا انه يستطيع أن يحدد أهداف بشريته عموما، بل هو بالضرورة سائر ضمن هذه الأهداف.
و بكلمة أخرى: إن الانسان في كل أفعاله الاختيارية يسير بالضرورة نحو هدفين مزدوجين: أهدافه الشخصية القصيرة، و الأهداف العامة للبشرية.