تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ١٨٩ - مناقشة المجتمع الشيوعي البدائي
و أما تطبيقات انجلز في كتابه، فتبدأ بتقسيم المجتمع القديم إلى:
عصور الوحشية و البربرية و أطوار كل منها و تقسيمها إلى أقسام ثلاثة. ثم يبدأ الحديث عن شكل العائلة و الزواج مفصلا، و بانتهائه ينتهي الحديث عن المجتمع القديم ثم يبدأ الكلام عن صفات مجتمعات بعينها، كالمجتمع اليوناني و الروماني و غيرهما و يكون الغرض الأساسي من هذا الاطلاع على الأوضاع السياسية و الاجتماعية و من ثم أسلوب تطور الدولة في تلك المجتمعات.
فما يمت إلى مجتمعنا القديم بصلة هو ما يعود إلى عهود البشرية الأولى، و إلى الحديث عن العائلة.
أما عهود البشرية خلال الوحشية و البربرية، فهو بعيد عن التجريد الماركسي كل البعد. و انجلز و ان حاول ربط تطورها بتطور وسائل الانتاج، إلا أنها عهود حضارية أو مدنية، و ليست عهودا اقتصادية كالعهود الخمسة، الماركسية. فلا بد أن وسائل الانتاج قد أثّرت في التطوير الحضاري من دون الاحتياج إلى علاقات الانتاج أو التناحر الطبقي، خلافا للنظرية الماركسية.
و معه فحتى لو سلّمنا صدق كل هذه التطورات البشرية، فإنه لا يستلزم بأي حال، صدق النظرية و التجريد الماركسيين. و مرور بعض المجتمعات البشرية بهذا التطور فيما سبق، لا يغني مرور أي مجتمع بدائي آخر بنفس التطور، كما تريد الماركسية أن تقول.
و أما الحديث عن العائلة القديمة في كلام انجلز، فهو أيضا بعيد عن التجريد الماركسي، فإنه يتحدث عن الزواج الجماعي و الثنائي و الآحادي و عن تطور النظام العائلي في الأدوار الأولى للبشرية.
و هو حديث عن جانب واحد، من جوانب المجتمع القديم. و هو جانب غير اقتصادي بطبعه. و من هنا تركت الماركسية التأكيد عليه في «تجريدها الرياضي» إلا في بعض المصادر المتأخرة جدا من كتب الماركسيين مثل بوليتزر و كوفالسون، حين وجدوا ضرورة الربط بين التجريد و التطبيق، من أجل محاولة رفع التنافي بينهما. و قد نقلنا عنهما شيئا من ذلك.