تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٤٢٧ - فكرة إجمالية عن التفاصيل
إلا أن أهم معارضة لذلك، هو التساؤل عن «آدم» (عليه السلام) الذي هو أبو البشر، هل كان في أول عصر القصور الذهني، كما سميناه، أي في أول وجود الانسان، باعتباره أبا للبشر جميعا، أو كان في أول عصر التفكير و الاختلاف، باعتباره نبيا مبلغا عن اللّه تعالى بعض التعاليم التي لا تنسجم إلّا مع مستوى التفكير. و لعل القول: بأنه أبو البشر على الاطلاق، و ان نبوته تناسب مع القصور الذهني الذي كان عليه الناس، هو الأقرب إلى الذهن فعلا.
إلّا أن هذا التصور قد يبدو منافاته لفهم آخر، و هو: ان المشكلة التي مر بها آدم (عليه السلام) التي نسمعها في التوراة و القرآن، هل أثّرت فيه شخصيا فقط أو فيه و في أولاده جميعا. هذا الأثر الذي يمكن أن نفهمه من قوله تعالى:
«فبدت لهما سوءاتهما فطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة» [١].
و هو وجود الوعي و القدرة على التفكير عندهما بعد ان لم يكن [٢].
فإن كانت قد أثرت فيه شخصيا، أو هو و زوجته فقط، أمكن أن يصبح نبيا واعيا لمجتمع قاصر، و ان أثرت فيه و في ذريته، فمعنى ذلك انتهاء عصر القصور الذهني و بدأ عصر الوعي و التفكير.
و حينئذ فلنا أن نختار القول بأن آدم (عليه السلام) كان في أول عصر الوعي، و كان هو أول الواعين، لكن علينا أن نتنازل عن كونه أبا للبشر أجمعين، إلّا إذا كان الانسان اسما للواعين منهم، و أما العصر السابق فهو أقرب إلى الحيوان.
و لنا أيضا أن نختار القول بأن آدم (عليه السلام)، كان في أول عصر القصور الذهني، مع بساطة نبوته كما قلنا، غير أننا نصطدم بالظهور القرآني الدال على وجود اللغة لدى آدم شخصيا كقوله تعالى:
وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها [٣] و غيرها.
و هذه الظاهرة تنافي القصور الذهني، و لا يمكن أن توجد إلّا في عصر
[١] طه ٢٠/ ١٢١ و انظر: الأعراف ٧/ ٢٢.
[٢] حيث نفهم من هذه الآية الكريمة انهما التفتا إلى قواعد السلوك- في الجملة- بما فيها لزوم التستر عن الناظرين و انه لا ينبغي البقاء على حالة العري الكامل. و عرفا كيفية سد هذه الحاجة، و هو وضع أوراق الشجر على الجسم. و هذا أول الوعي البشري. و تدل التوراة على ذلك بوضوح و انهما التفتا إلى الخير و الشر (تكوين ٣/ ٢٢).
[٣] البقرة: ٢/ ٣١ و تدل التوراة على ذلك أيضا، تكوين: ٢/ ٢٠- ٢١.