تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٣٠٥ - مناقشة دكتاتورية البروليتاريا
بروليتاريون ... لقد ظهرت البروليتاريا عقيب الثورة الصناعية التي حدثت في إنكلترا أثناء النصف الثاني من القرن الماضي (يعني القرن الثامن عشر) و تكررت بعد ذلك في جميع أنحاء العالم المتمدنة. و هذه الثورة الصناعية قد استدعاها اختراع الآلة البخارية و مختلف آلات الغزل، و نول النسيج الآلي، و جملة كاملة من الأجهزة الآلية الأخرى ... الخ» [١].
فإذا ضممنا هاتين القضيتين إلى بعضهما، و هما: إمكان وجود الاشتراكية عقيب الاقطاع، و عدم إمكان وجود البروليتاريا في عصر الاقطاع، و انحصار وجودها في عصر الرأسمالية. نتج من ذلك بكل وضوح أن العصر الاشتراكي الذي يوجد عقيب الاقطاع سوف لن يكون بقيادة البروليتاريا بأي حال. و معه يكون على الفكر الماركسي أن يتنازل عن أحد أمرين: اما أن يتنازل عن إمكان حدوث الاشتراكية عقب الاقطاع، باعتبار أن عصر الاشتراكية منحصر بفعل البروليتاريين، و حيث لا يكون لهم وجود يكون عصر الاشتراكية متعذرا. و اما ان يتنازل عن انحصار حدوث عصر الاشتراكية بفعل البروليتاريا و من ثم عن عصر ديكتاتورية البروليتاريا جملة و تفصيلا. إذ لا معنى لدكتاتورية البروليتاريا بدون البروليتاريا. انها مخيّرة في التنازل عن أحد هذين الأمرين!!.
النقطة الخامسة: حول مفهوم الديمقراطية التي أكدت الماركسية على وجوده، خلال عصر دكتاتورية البروليتاريا.
إن الديمقراطية حسب الفهم القانوني العام هي أن يكون لكل فرد من الأمة أو الشعب حق الاختيار في شكل الحكم و أشخاص الحاكمين و الاشراف على أعمالهم عن كثب بحرية تامة ... ليكون بالتالي مفهوم (حكم الشعب لنفسه) متحققا بدرجة كافية، و ان لم يكن بشكله المطلق ممكنا.
و هذا المفهوم، و إن كان لنا بعض المناقشات حوله، ليس هنا محل سردها؛ و لكن الماركسية- على أي حال- اعتبرته مفهوما صحيحا، طبقا للرأي العام الذي يستهويه هذا المفهوم استهواء كاملا، و حاولت إدخاله في عهودها المعترف بها من ماديتها التاريخية.
إن الماركسية لم تناقش إلا في تطبيق هذا المفهوم في العصر الرأسمالي، من زاوية انه تطبيق زائف، لا يتضمن إلا ديمقراطية و حرية الأغنياء و الرأسماليين، دون غيرهم. و هذا صحيح، لا نختلف فيه مع الماركسية.
[١] نصوص مختارة: انجلز ص ٣٤.