تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٦٥٣ - الأساس الأول الأساس القرآني
الأفراد في كل عصر؛ و الأفضل في كل عصر قليل نسبيا لا محالة. صحيح، ان أي فرد في شعب الدولة العالمية يعادل الصالحين في العصر السابق عليه، إلا أن أفضلهم بالنسبة إلى عامتهم قليل أيضا، بطبيعة الحال.
فإن قال قائل: بأن نسبة الأفاضل في الأولين أيضا قليل بالنسبة إلى عامتهم، مع ان ظاهر الآية كون النسبة في (الأولين) أعلى منها في (الآخرين) حيث قال عز و علا: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَ قَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ.
قلنا: ينبغي ان نتذكر ان ظاهر الآية جعل عصر وجود الاسلام و نزول القرآن، هو الحد الفاصل بين مفهوم الأولين و مفهوم الآخرين. و من المعلوم دينيا ان العصر السابق عليه يحتوي على أنبياء كثيرين و تربية مهمة ... الأمر الذي يجعل نسبة السابقين إلى الأعمال الصالحة نسبة عالية بمقدار ما.
و أما عصر ما بعد الاسلام، فهو شامل لعصر (الفتن و الانحراف) إلى جنب شموله لعصر الدولة العالمية، كما سبق أن أشرنا في الأمرين السابقين. و بشموله لعصر الفتن يكون السابقون بالنسبة إلى مجموع البشر في عصري التخطيط الثالث و الرابع، أقل من نسبتهم في العصر السابق على الاسلام، عصر التخطيط الثاني.
فيصدق قوله تعالى: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَ قَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ.
مضافا إلى أن هذه الاستفادة، و هي ان (الثلة) أكثر نسبيا من الفقرة التي تليها ... غير صحيحة. بل ان احتمال العكس احتمال قائم، و هو ان تكون نسبة الثلة أقل من الفقرة التي تليها. و معه فلا يبقى مجال لهذا الحديث.
إذن، فالآية الأولى، لا يمكن الاستدلال بها للمناقشة في وجود المجتمع المعصوم.
و أما الآية الثانية، و هي قوله تعالى: وَ أَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ ... إلى قوله: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَ ثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ، فالجواب فيها هو نفسه الجواب في الآية الأولى، بشكل أوضح و أولى، على ما سنرى.
فان مفهوم الأولين و الآخرين المستعمل فيها محدد أيضا بما بعد وجود مجتمع الوعي و التفكير، و ما قبل المجتمع المعصوم، لنفس الدليل الذي ذكرناه، فلا تكون الآية دليلا على عدم وجوده.
مضافا إلى إمكان الجواب من ناحية أخرى تكون بها أوضح من الآية الأولى، و هي: ان الآية الأولى قالت: «و قليل من الآخرين» على حين قالت الآية الثانية: