تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٦٥١ - الأساس الأول الأساس القرآني
الآية الثانية، تارة أخرى ...
الآية الأولى: و هي قوله تعالى:
وَ السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ، فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ. ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَ قَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ [١].
و قد سمعنا لها قبل قليل فهمين:
الفهم الأول: ما فهمه الشيخ الطوسي من المراد بالسابقين: السابقون إلى الايمان بالاسلام، إذ نسمعه يقول: إنما قال ذلك، لأن الذين سبقوا إلى إجابة النبي (ص) قليل من كثير ممن سبق إلى النبيين [٢].
و هذا الفهم يجعل الآية غير مربوطة بالاستدلال، من حيث انها تتعرض إلى من آمن بالأنبياء من معاصريهم، و ليس لها أي شمول للمؤمنين في البشرية بشكل عام.
فلا تكون دالة على قلة المؤمنين في مجموع البشرية، ليكون للمناقشة مجال.
الفهم الثاني: ما فهمه الراغب الاصفهاني، من ان المراد بالسابقين:
المتقدمون على غيرهم بالايمان و الأعمال الصالحة. و معه فلعلّ الآية دالة على قلة هؤلاء السابقين بالنسبة إلى غيرهم، فيكون للمناقشة مجال.
و حينئذ، فلا بد ان ننظر إلى مفهومي (الأولين) و (الآخرين) في الآية، هل يشملان مجموع البشرية من أولها إلى آخرها، بشكل يشمل المجتمع المعصوم أولا.
لا شك أنه لا ينبغي أن يشمل العهد البشري الأول، أعني عصر ما قبل الوعي و التفكير. و ذلك لسببين:
أولا: لكون ذلك العهد دون المستوى الذي يمكن التحدث عنه، باعتبار عدم قابلية الشعور بالمسؤولية لديه، مما يجعل ظهور الآية منصرفا عنه.
ثانيا: لكونه مغرقا في القدم، بحيث يكون التعرض له غير مناسب مع مستوى التفكير العام في العصر الذي نزل فيه القرآن الكريم. فيكون مخالفا مع قانون (كلّم الناس على قدر عقولهم) الضروري دائما في النصوص الاسلامية.
إذن، فأقصى ما يمكن الوصول إليه من ناحية الماضي، في مدلول الآية، هو أول عهد التفكير إلى مبدأ عصر الاسلام.
و أما من ناحية المستقبل، فالذي يبدو اننا لا نستطيع أن نتوسع كثيرا أيضا.
[١] الواقعة:/ ١٠- ١٤.
[٢] التبيان ج ٩ ص ٤٩٠.