تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٦٥٠ - الأساس الأول الأساس القرآني
على داود (عليه السلام). فانه قال بعد ان سمع كلام المعتدى عليه: لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ!. وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ، وَ قَلِيلٌ ما هُمْ .. [١].
و نحن لو نظرنا إلى المستوى الايماني لشعب هذين النبيين (عليهما السلام)، فضلا عن مجموع البشرية في ذلك العصر، و قد سبق أن حملنا عنه فكرة تفصيلية من خلال الحديث عن التخطيط الثاني، لو نظرنا إلى ذلك، لوجدنا الآيتين صادقتين تماما في ذلك العصر، فان من يؤدي الشكر الكامل للّه عز و جل، و من يعمل العمل الصالح المطلوب، كان في غاية الندرة، و لا زال كذلك إلى العصر الحاضر.
إذن، فالآيتان خاصتان بذلك العصر، أو قل بعصر الانحراف، و غير شاملتين لمجموع البشرية، لتكونا نافيتين للمجتمع المعصوم و دالتين على عدمه.
الناحية الثانية: في الآيات الدالة على قلة المؤمنين في الآخرة، و قد سمعناها.
و لا بد قبل الاستدلال بها، ان نتأكد من معناها. فان المراد بالسابقين قد يكون هو السبق إلى الايمان بالنبي (ص) قبل الآخرين، كما فهمه الشيخ الطوسي [٢]، فجرى مجرى قوله تعالى:
وَ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ [٣].
و قد يكون المراد به: المتقدمون إلى ثواب اللّه و جنته بالأعمال الصالحة، كما فهمه الأصفهاني في مفرداته [٤]. و الثلّة: الجماعة [٥].
و أما (الأولين) و (الآخرين) بالكسر ... فهما مفهومان نسبيان، لا يكون لهما مفهوم محدد، لو لاحظناهما باستقلالهما، لمدى توامي الأجيال البشرية و طولها.
غير الظاهر جعل عصر نزول القرآن الكريم- بصفته هو المتحدث- محكا في ذلك.
فالسابقون عليه هم (الأولين)، و المعاصرون له و من بعدهم هم (الآخرين).
و لا يوجد احتمال معقول في إرادة أي معنى آخر.
فإذا التفتنا إلى هذه المعاني ... أمكننا أن نلتفت إلى الآية الأولى تارة، و إلى
[١] ص:/ ٢٤.
[٢] التبيان في تفسير القرآن. ط النجف ج ٩ ص ٤٩٠.
[٣] التوبة/ ١٠٠.
[٤] المفردات ط ص ٢٢٢.
[٥] المصدر ص ٨١ و انظر التبيان ج ٩ ص ٤٩٠.