تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٦١١ - ٢- المفاهيم
وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَ رَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ [١].
و غير ذلك من الآيات.
ثانيا: كون الدولة العالمية مستخلفة على الأرض. و ذلك: إما بمعنى كونها خليفة عن اللّه تعالى في القيادة نحو تطبيق العدل و تحقيق الهدف الأعلى، أو بمعنى كونها وارثة للنظم السابقة عليها و البديل الأفضل لها جميعا. قال اللّه تعالى:
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ، لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ، كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ... الخ الآية [٢].
و كلا المعنيين يمتّان إلى التخطيط العام بصلة وثيقة:
أما المعنى الأول: فباعتبار ان استخلاف البشرية في القيادة، لا يعني بأي حال إيكال الأمر إليها على نحو مطلق. فانه خلاف صريح آيات قرآنية عديدة، منها قوله تعالى:
وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً [٣].
و إنما المراد إيكال التربية و التكامل البشري إلى اختيار البشرية نفسها، بدلا عن ان يكون المربي هو اللّه عز و جل. بما في ذلك التكامل الفردي و القيادة الاجتماعية العادلة.
و من هنا كان الفرد الأهم لتطبيق هذا الاستخلاف هو المربي البشري الكبير، المتمثل في جهتين:
الجهة الأولى: موكب الأنبياء و الأولياء و الصالحين، السابقين على الدولة العالمية. فانهم متكفلون للقسط الأكبر من هذه التربية و القيادة المطلوبة.
الجهة الثانية: الدولة العالمية التي هي نتيجة لجهود ذلك الموكب كله، و لجهود الانسانية كلها في العصور السابقة عليها. و هي تتولى التربية أيضا لكن بشكل أعمق و أوسع.
و أما مع تحقق الهدف الأعلى، و هو المجتمع المعصوم و الذي يليه، فهو الذي يكون خليفة و قائدا بمجموعة بطبيعة الحال ... لأن كل فرد منه ممثل
[١] الانعام:/ ١٦٥.
[٢] النور:/ ٥٥.
[٣] الأحزاب:/ ٣٦.