تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٦١٢ - ٢- المفاهيم
للشكل الأفضل من التربية المطلوبة.
و بهذا نكون قد عرفنا كيف يمت المعنى الثاني للاستخلاف إلى التخطيط.
و أما كون الدولة العالمية وارثة للنظم السابقة عليها، فقد قلنا ان مقتضى التخطيط الثالث هو تمحيص تلك النظم و كشف جوانب النقص و الظلم فيها تدريجا، و إيضاح فشلها، ليكون ذلك أكبر ممهد لتلقّي النظام الجديد في الدولة العالمية.
السؤال الرابع: ما هو المفهوم الذي تعبر عنه الآية الكريمة:
إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ [١].
إن هذا- بحسب فهمي- مفهوم تربوي يراد به- أيضا- إيكال تربية البشرية إلى نفسها و اختيارها. لكن المنظور هنا جانب النتائج. فكل عامل، فردا كان أو مجتمعا، هو الذي يتحمل مسئولية عمله، سواء كان خيرا أو شرا. فاللّه عز و جل يحافظ على النتائج الخيّرة ما دام العمل خيرا، و لا يغيرها إلى السوء- و هو القادر المطلق- إلا مع تعمد التغيير السيئ من قبل العاملين أنفسهم ... و العكس أيضا صحيح، إذ لا معنى لوجود النتائج الحسنة مع العمل السيئ.
و هذا القانون، كما يشمل كل مجتمع بشكل منفصل، يشمل البشرية على وجه المجموع فمثلا: إذا توصلت البشرية بأعمالها الاختيارية إلى إنتاج التخطيط الثالث، و أصبحت على مستوى تأسيس الدولة العالمية، فقد غيّرت ما بنفسها، فيمنّ اللّه تعالى عليها بالتغيير الجذري بإعطاء الفرصة الكافية للقائد المهدي (ع) للسيطرة على العالم و احقاق الحق و العدل فيه، و رفع كل ما كانت تشكوه البشرية من المشاكل و الآلام.
السؤال الخامس: ما هو مفهوم العبادة الموجود في الآية الكريمة:
وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [٢].
و قد شرحنا ذلك مفصلا في تاريخ الغيبة الكبرى [٣]، و أعطينا عنه فكرة في هذا الكتاب في فصل (الأسس الخاصة). و اعتبرنا الآية دليلا على ماهية السبب الاستهدافي الذي وجدت من أجله البشرية، و هو تحقيق العبادة الخالصة الشاملة لكل مناحي الحياة، و بأعمق أشكالها متمثلة بوجود الدولة العالمية أولا، و بالمجتمع
[١] الرعد:/ ١١.
[٢] الذاريات:/ ٥٦.
[٣] انظر ص: ٢٣٤ منه.