تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٦٠٩ - ١- العقيدة
عن عصر المجتمع المعصوم عن عصر مجتمع ما بعد العصمة. حيث يتكفل بقواعده العامة تربية كل هذه الأجيال الطويلة. و هي خصيصة إعجازية أيضا لم تتوفر في أي تشريع آخر سماوي أو أرضي.
ثالثا: ان الإنسان كلما ترقّى و تكامل في المستويين الثقافي و الإيماني ينكشف له معان جديدة للقرآن، لا يمكن الالتفات إليها في المستويات الواطئة.
و هذا معناه- على المستوى العام- ان البشرية ستفهم بالتدريج معان جديدة من القرآن تكون مربية لها. فإذا بلغت غاية مرحلتها، و دخلت مرحلة أخرى فهمت معان جديدة تربّيها، و هكذا.
خذ إليك مثلا تقريبيا، كتاب (كليلة و دمنة) الذي «جعل الكلام على ألسن البهائم و السباع و الوحش و الطير، ليكون ظاهره لهوا للعامة و باطنه سياسة للخاصة، متضمنا ما يحتاج الإنسان إليه من أمر دينه و دنياه و آخرته على حسن طاعة الملوك و مجانبا ما تكون مجانبته خيرا له» [١]. بل قالوا ان هذا الكتاب ليس ذا مستويين فقط، بل أربعة مستويات، يختص كل مستوى منها بمجموعة من البشر [٢]. فإذا أمكن ذلك العدد، أمكن الزيادة عليه بطبيعة الحال حين يصل إلى مستوى الإعجاز.
السؤال الخامس: لما ذا احتاج الدين الإسلامي إلى وجود الهداة بعد النبي (ص). و هم الخلفاء أو الأئمة، على اختلاف المذاهب الإسلامية.
ينبع هذا الاحتياج من عدة أمور: من أهمها: ضرورة تربية الأمة على الدين الجديد أو الأطروحة الجديدة، و تمحيصها عليها و تربية الاخلاص طبقا لها، تحت إشراف مركّز و مركزي فترة كافية من الزمن. و لا يتم ذلك بشكله الكافي بدون ذلك.
و يقوم هؤلاء الهداة مضافا إلى ذلك، بحفظ الأطروحة الجديدة لتبقى سارية المفعول بين البشر ليمكن تطبيقها في الدولة العالمية و ما بعدها من العصور. إذ مع اندثارها لا معنى لتطبيقها، كما هو واضح، إلا بنبوة جديدة، ليس المفروض وجودها بعد الإسلام، و لا حاجة إليها، بعد إمكان حفظه بهؤلاء الهداة.
[١] كليلة و دمنة، تحقيق الياس خليل زخريا ط دار الأندلس- بيروت ص ٨٣.
[٢] المصدر ص ٩٥. لا حظ قوله: أقسام الكتابة و أغراضه (المعاني الباطنة).