تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٥٤٥ - التخطيط الرابع المنتج للمجتمع المعصوم
- ١٠-
و أول خطوة نتخذها في هذا الصدد، إعطاء فكرة عن معنى الأحكام الاقتصادية المذهبية عموما، و فرقها عن الأحكام الاقتصادية الاعتيادية و عن علم الاقتصاد السياسي.
و نحن لزاما علينا أن نضغط الكلام هنا ضغطا، لأن البحث ليس بطبيعته اقتصاديا، فإذا مشينا في هذا الصدد طويلا، كان ذلك على خلاف الغرض الأساسي للكتاب.
إن المذهب الاقتصادي يمثل «مجموعة من القضايا الاقتصادية المفهومية» التي تمت إلى ما ينبغي أولا ينبغي إنجازه في السوق أو غيره من المحاور الاقتصادية، و ستأتي له أمثلة متعددة.
و بصفته المفهومية يفرق عن الأحكام الاقتصادية الاعتيادية في الفقه أو القانون، فبينما هما يشتركان في أنهما معا يحملان معنى التشريع و الارتباط بالعدالة.
نرى أن الحكم المذهبي يستبطن معنى مفهوميا (مبدئيا) يمت إلى الفهم العام للحياة بصلة وثيقة. كمفهوم «الملكية في نطاق محدود» الآتي. على حين نرى أن الحكم الاقتصادي الاعتيادي بعيد عن الجهة المفهومية، و إنما ينسجم مع غيره ليمثل مجموعة تكوّن بنتيجتها معنى مفهوميا اقتصاديا و قد سبقت أمثلته، كتحريم احتكار الملح أو أخذ الزوجة ربع تركة زوجها أو اشتراط صحة البيع باللفظ.
و أما علم الاقتصاد فلا يمت إلى التشريع و العدالة بصلة، و بهذا يختلف عن كلا الحقلين الاقتصاديين السابقين ... و إنما هو مجرد سرد أو وصف لقضايا و ظواهر اقتصادية في سوق معينة مستنتجة من تجارب و وقائع خاصة، كقانون العرض و الطلب، و القانون الحديدي لأجور العمال اللذان يصحان في السوق الرأسمالية الحرة، و هكذا!.
و من الممكن حين يكون المذهب الاقتصادي مجهولا، اكتشافه عن طريق الأحكام المتفرعة عنه، و التي تمثل بمجموعها قضية من قضاياه، فيستكشف من تلك المجموعة هذه القضية المذهبية، و من المجموعة الأخرى القضية الأخرى، حتى يستكشف جميع ما في المذهب الاقتصادي من قضايا و أحكام مفهومية اقتصادية.
و قد سبق إلى الآن، أن عرضنا عددا من الأحكام الاقتصادية العملية الاعتيادية، و نريد الآن أن ننطلق إلى الأحكام المذهبية المفهومية التي ترتكز تلك عليها