تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٢٥٩ - القسم الأول مرحلة التراكم الأولى لرأس المال
«و كلما ازدهر التراكم الرأسمالي و الانتاج الرأسمالي فان المزاحمة و القرض و هما أقوى عاملين من عوامل التمركز ينطلقان ... كما ان نمو أسلوب الانتاج الرأسمالي يخلق أيضا، مع الحاجة الاجتماعية، التسهيلات التكنيكية لهذه المشروعات الهائلة الضخمة، التي يقتضي تشغيلها مركزية مسبقة للرأسمال» [١].
نرى إلى جانب ذلك أيضا، أن ماركس يرى أن المرحلة اللاحقة للتراكم هي الاحتكار الذي عده المفكرون الآخرون مرحلة متأخرة من الرأسمالية تأتي بعد المزاحمة الحرة.
فبينما نسمع ماركس يتحدث عن نزع الملكية الذي يحدث في العصر الرأسمالي الأولي، نراه ينتقل مباشرة إلى الاحتكار.
قال:
«و نزع الملكية هذا إنما يتم حركة القوانين الملازمة للانتاج الرأسمالي التي تؤدي إلى تمركز رءوس الأموال. و بصورة مرتبطة ارتباطا متبادلا مع هذا التمركز، و نزع ملكية العدد الأكبر من الرأسماليين من قبل الأقلية.
... و كلما تدنى عدد سلاطين الرأسمال الذين يغتصبون جميع فوائد مرحلة التحول الاجتماعي هذه و يحتكرونها يتزايد ناميا متعاظما البؤس و الاضطهاد و الاستعباد و الاسترقاق و الانحطاط و الاستثمار، و لكن تتزايد أيضا مقاومة الطبقة العاملة، هذه المقاومة المتعاظمة دوما، ... و يصبح احتكار رأس المال عقبة و عائقا بالنسبة إلى نمط الانتاج الذي نما و ازدهر معه و تحت رعايته» [٢].
و يفهم من هذه العبارة التراكم الرأسمالي الأولي، يعقبه عملية تجريد يقوم به الرأسماليون الكبار ضد الصغار منهم، و بذلك تتحول الرأسمالية إلى احتكار بيد هؤلاء الطغمة القليلة. و حيث يتزايد البؤس في المجتمع يكون ذلك إيذانا بزوال الرأسماليين، و من ثم الرأسمالية نفسها طبقا لمفاهيم المادية التاريخية التي أسسها ماركس نفسه. إذن فالمرحلة الاحتكارية- طبقا للعبارة الأخيرة- كما هي المرحلة الثانية للرأسمالية، هي المرحلة الأخيرة لها، و لا تكون قابلة للبقاء بعدها. إذن فالرأسمالية لا تنقسم إلى أكثر من هاتين المرحلتين.
و ستأتي الصورة الأخرى التي يعطيها المفكرون الماركسيون الآخرون عن الرأسمالية، لدى الحديث عن المرحلتين الأخيرتين منها.
[١] المصدر ج ٣ ق ١ ص ٩٠٥.
[٢] المصدر ج ٣ ق ٢ ص ١١٣٨.