العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٦٩ - عبد الرحيم بن علىّ بن الحسن بن المفرج بن الحسين بن أحمد بن المفرج بن أحمد اللخمى العسقلانى المولد، المصرى الدار، المعروف بالقاضى الفاضل، مجير الدين أبو علىّ بن القاضى الأشرف بهاء الدين أبى المجد بن القاضى السعيد أبى محمد
للسلطان الملك الناصر صلاح الدين (رحمه اللّه)، و تمكن منه غاية التمكن، و برز فى صناعة الإنشاء، وفاق المتقدمين، و له فيه الغرائب مع الإكثار.
أخبرنى أحد الفضلاء الثقات، المطلعين على حقيقه أمره، أن مسودات رسائله فى المجلدات، و التعليقات فى الأوراق، إذا جمعت، ما تقصر عن مائة مجلد، و هو مجيد فى أكثرها.
قال العماد الكاتب الأصبهانى فى كتاب الخريدة فى حقه: رب القلم و البيان و اللسن و اللسان، و القريحة الوقادة، و البصيرة النقادة، و البديهة المعجزة، و البديعة المطرزة، و الفضل الذى ما سمع فى الأوائل بمن لو عاش فى زمانه لتغلق بغباره، أو جرى فى مضماره. فهو كالشريعة المحمدية التى نسخت الشرائع و رسخت بها الصنائع، يخترع الأفكار، و يفترع الأبكار، و يطلع الأنوار، و يبدع الأزهار، و هو ضابط الملك بآرائه، و رابط السلك بآلائه، إن شاء أنشأ فى يوم واحد، بل فى ساعة واحدة، ما لو دون، لكان لأهل الصناعة خير بضاعة، أين قس عند فصاحته، و أين قيس فى مقام حصافته، و من حاتم و عمرو فى سماحته و حماسته؟.
و أطال القول فى تقريظه. و نذكر له رسالة لطيفة كتبها على يد خطيب عيذاب إلى صلاح الدين، يتشفع له فى توليته خطابة الكرك، و هى: أدام اللّه سلطان الملك الناصر و ثبته، و تقبل عمله بقبول صالح و أثبته، و أخذ عدوه قائلا أو بيته، و أرغم أنفه بسيفه و كبته، خدمة المملوك هذه، واردة على يد خطيب عيذاب، و لما نبا به المنزل عنها، و قل عليه الموفق فيها، و سمع بهذه الفتوحات التى طبق الأرض ذكرها. و وجب على أهلها شكرها هاجر من هجير عيذاب، و ملحها، ساريا فى ليلة أمل كلها نهار، و لا يسأل عن صبحها، و قد رغب فى خطابة الكرك، و هو خطيب، و توسل بالمملوك فى هذا الملتمس و هو قريب، و نزع من مصر إلى الشام، و من عيذاب إلى الكرك، و هذا عجيب. و الفقر سائق عنيف، و المذكور عائل ضعيف، و لطف اللّه بالخلق بوجود مولانا لطيف، و السلام.
و له من جملة رسالة فى صفة قلعة شاهقة، و لقد أبدع فيها. و يقال إنها قلعة كوكب:
و هذه القلعة عقاب فى عقاب، و نجم فى سحاب، و هامة لها الغمامة عمامة، و أنملة إذا خضبها الأصيل كان لها الهلال قلامة. و ملحه و نوادره كثيرة.
و قوله: كان الهلال لها قلامة، أخذه من قول عبد اللّه بن المعتز من جملة أبياته فى