العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٤٣٩ - عيسى بن فليتة بن قاسم بن محمد بن جعفر، المعروف بابن أبى هاشم
أضحت مكارم عيسى كعبة و لقد* * * تعجب الناس من ثنتين فى الحرم
فهذه تحبط الأوزار ما برحت* * * و هذه تشمل الأحرار بالنّعم
قال: فاستحسنهما غاية الاستحسان، قال: و دخلت عليه فى سنة ستين و خمسمائة، و كنت مجاورا أيضا، و كان نازلا بالمربّع، فوجدت عنده أخاه مالكا، و كان ذلك اليوم ثانى عشر ذى القعدة من السنة المذكورة، و نحن فى حديث الحاج و توجههم إلى مكة، فأنشدته قصيدة أولها [من المتقارب]:
حملت من الشوق عبئا ثقيلا* * * فأورث جسمى المعنّى نحولا
و صيرنى كلفا بالغرا* * * م أندب ربعا و أبكى طلولا
نشدتكما اللّه يا صاحبىّ* * * إن جزتما بلواء الطّلح ميلا
نسائل عن حيّهم بالعرا* * * ق هل قوّضت أن تراهم حلولا
فقال لى عند إنشاد هذا البيت: لا إن شاء اللّه، قوضت و توجّهت إن شاء اللّه تعالى بالسلامة، ثم أنشدته إلى أن انتهيت منها:
كفا كم فخارا بأنّ الوصىّ* * * جدّكم و أمّكم الطهور البتولا
و حسبكم شرفا فى الأنا* * * م أن بعث اللّه منكم رسولا
و جرى فى ولاية عيسى على مكة، بمكة و ظواهرها، حوادث، منها: أن فى سنة سبع و خمسين و خمسمائة، كانت بمكة فتنة بين أهلها و الحجاج العراقيين، سببها أن جماعة من عبيد مكة، أفسدوا فى الحاج بمنى، فنفر عليهم بعض أصحاب أمير الحاج، فقتلوا منهم جماعة، و رجع من سلم إلى مكة، و جمعوا جمعا، و أغاروا على جمال الحاج و أخذوا منها قريبا من ألف جمل، فنادى أمير الحاج فى جنده بسلاحهم، و وقع القتال بينهم، فقتل جماعة، و نهب جماعة من الحجاج، و أهل مكة، فرجع أمير الحاج و لم يدخل مكة، و لم يقم بالزاهر غير يوم واحد، و عاد كثير من الناس رجّالة لقلة الجمال، و لقوا شدة، و رجع بعضهم قبل إتمام حجّه، و هم الذين لم يدخلوا مكة يوم النحر للطواف و السعى، ذكر هذه الحادثة هكذا ابن الأثير.
و ذكر صاحب المنتظم: أن أمير مكة بعث إلى أمير الحاج يستعطفه ليرجع، فلم يفعل، ثم جاء أهل مكة بخرق الدم، فضرب لهم الطبول، ليعلم أنهم قد أطاعوا.
و منها: غلاء كثير، أكل الناس فيه بمكة الدم و الجلود و العظام، و مات أكثر الناس، و ذلك فى سنة تسع و ستين و خمسمائة.