العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٤٥١ - فضيل بن عياض بن مسعود بن بشر التميمى اليربوعى، أبو على الزاهد
أنا؟ ثم أفاق فقال له: زدنى رحمك اللّه، فقال: يا أمير المؤمنين، بلغنى أن عاملا لعمر ابن عبد العزيز شكا إليه، فكتب إليه عمر: يا أخى، اذكر طول شهر أهل النار فى النار، مع خلود الأبد، و إياك أن ينصرف بك من عند اللّه، فيكون آخر العهد بك و انقطاع الرجاء.
قال: فلما قرأ الكتاب، طوى البلاد حتى قدم على عمر بن عبد العزيز، فقال له: ما أقدمك؟ قال: خلعت قلبى بكتابك، لا أعود إلى ولاية حتى ألقى اللّه عز و جل، فبكى هارون بكاء شديدا، ثم قال: زدنى يرحمك اللّه، فقال: يا أمير المؤمنين، إن العباس عم المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم)، جاء إلى النبى (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال: يا رسول اللّه، أمرنى على إمارة، فقال له النبى (صلى اللّه عليه و سلم): «إن الإمارة حسرة و ندامة يوم القيامة، فإن استطعت أن لا تكون أميرا فافعل».
فبكى هارون بكاء شديدا، فقال: زدنى رحمك اللّه، فقال: يا حسن الوجه، أنت الذى يسألك اللّه عن هذا الخلق يوم القيامة، فإن استطعت أن تقى هذا الوجه من النار فافعل، و إياك أن تصبح و تمسى و فى قلبك غش لأحد من رعيتك، فإن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) قال:
«من أصبح لهم غاشا لم يرح رائحة الجنة».
فبكى هارون و قال له: عليك دين؟ قال: نعم، دين لربّى لم يحاسبنى عليه، فالويل لى إن سألنى، و الويل لى إن حاسبنى، و الويل لى إن لم ألهم حجّتى، قال: إنما أعنى من دين العيال. قال: إن ربى لم يأمرنى بهذا، أمرنى أن أصدق وعده و أطيع أمره، فقال جل و عز: وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَ ما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ. [الذاريات: ٥٦] فقال له: هذه ألف دينار، خذها فأنفقها على عيالك، و تقو بها على عبادة ربك، فقال: سبحان اللّه! أنا أدلك على طريق النجاة، و أنت تكافئنى بمثل هذا! سلمك اللّه و وفقك، ثم صمت و لم يكلمنا، فخرجنا من عنده.
فلما صرنا على الباب، قال هارون: أيا عباس، إذا دللتنى على رجل، فدلنى على مثل هذا، هذا سيد المسلمين، فدخلت عليه امرأة من نسائه فقالت: يا هذا، قد ترى ما نحن فيه من ضيق الحال، فلو قبلت هذا المال فتفرحنا به، فقال: إنما مثلى و مثلكم، كمثل قوم لهم بعير يأكلون من كسبه، فلما كبر نحروه، فأكلوا لحمه، فلما سمع هارون هذا الكلام قال: ندخل، فعسى أن يقبل المال! فلما علم الفضيل، خرج فجلس فى السطح على باب الغرفة، فجاء هارون فجلس إلى جنبه، فجعل يكلمه فلا يجيبه، فبينا نحن كذلك، خرجت جارية سوداء فقالت: يا هذا، قد آذيت الشيخ منذ الليلة، فانصرف رحمك اللّه، فانصرفنا.