العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٣٥١ - عمر بن عبد اللّه بن أبى ربيعة، عمرو، و قيل حذيفة بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرّة القرشى المخزومىّ المدنىّ المكىّ
و إذا ما عثرت فى مرطها* * * عثرت باسمى و قالت يا عمر
قلت: أنا قائل ذاك، فدك أبى و أمى، قالت: فمن هذه الكبرى و الوسطى و الصغرى؟ قلت: أطال اللّه بقاك، قد تقدم عذرى عن هذا أمس، و إنى لم أقل ذلك فى جارية بعينها، و لا كان منى عن قصد و لا عمد، قالت: يا فضّاح الحرائر، يا كذابا على النساء، ما حملك على أن تقول على النساء ما لم يكن حقا، حتى شاع فى أقطار الأرض، و ظن الناس أنه حق فى امرأة بعينها! يا وصائف، عزّرن هذا الفاسق على كذبه على الحرائر.
و ضربننى على وجهى و رأسى ضربات شديدة، ثم شددن العصابة على عينى، و دفعننى إلى العجوز، فقادتنى إلى مضربى، ثم قالت: لا تيأسنّ، فبتّ ليلتى قلقا مفكرا، لم أذق مناما، حتى برق الصبح، فلما طلعت الشمس، دخل علىّ الحاجب و أعلمنى بمكان العجوز، فقلت: اشغلها عنى ساعة، إلى أن يخرج إليك رسولى، ثم أمرت جارية أن تضرب لى فى باطية خلوقا، ففعلت، فغمست يدى فيه إلى معصمى، ثم أسدلت إزارى، و أمرت بإدخال العجوز، فدخلت فسألتنى عن حالى، ثم قالت: هل لك أن تراها ثالثة؟ قلت: نعم. فداك أبى و أمى، قالت: أنت ناظر إليها على الشرط؟ قلت: نعم.
فأخرجت المصحف و استحلفتنى، ثم عصبت عينىّ، و قادتنى إلى الموضع، فلما حسّيت بباب المضرب، أخرجت يدى فمسحتها ببابه، و جعلت أمسك الطّنب بكفّى، ثم ناولتنى الوصائف، فأخذتنى منها وصيفة، و أدخلتنى الموضع، و فتحت عينىّ، فإذا أنا بمضرب من الديباج الأبيض، منقوش بالذهب، مفروش بالحرير، فجلست على السرير، فإذا هى قد طلعت، فلما نظرت إليها، سقطت على وجهى مغشيا علىّ، فلما أفقت، تناولت كفّى و جعلت تغمره، و قالت: كيف حالك يا أبا الخطاب؟ قلت: سوء حال، و النظر يغنى عن الشكوى، فتبسمت، فما رأيت شيئا أحسن من ثغرها، ثم جعلت تسائلنى عن أخبار أهل الحجاز، و أيام العرب، و أخبار أهل العشق، حتى انتصف النهار، و أنا و اللّه يخيّل إلىّ كأنى فى بعض قصور الجنة مع حورها، فبينما أنا كذلك فى أسرّ حال، إذا التفتت إلىّ و قالت: يا أبا الخطاب، من الذى يقول [من الكامل] [١١]:
سجج الغراب ببين ذات الدّملج* * * ليت الغراب ببينها لم يسحج
ما زلت أتبعهم لأسمع حدوهم* * * حتى دخلت على ربيبة هودج
قالت و حقّ أبى و حرمة والدى* * * لأنبّهنّ أبى إن لم تخرج
فتناولت كفّى لتعلم مسّه* * * بمخضّب الأطراف غير مشنّج
[١١] الأغانى الموضع السابق، و ديوان عمر ٨٢، ٨٣.