العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٣٥٠ - عمر بن عبد اللّه بن أبى ربيعة، عمرو، و قيل حذيفة بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرّة القرشى المخزومىّ المدنىّ المكىّ
جلست إلى جانبى، و أقبلتّ علىّ تحدّثنى، و سألتنى عن حالى، و أنا و اللّه منها فى غمرات شديدة، و قد زال عقلى حين شاهدت جمال صورتها، فلما مضى لى معها ساعة، قالت: يا عمر، من الذى يقول [١٠]:
و ناهدة الثديين قلت لها اتّكى* * * على الرّمل من جبّانة لم توسّد
فقالت على اسم اللّه سمعا و طاعة* * * و إن كنت قد كلّفت ما لم أعوّد
فلمّا دنا الإصباح قالت فضحتنى* * * فقم غير مطرود و إن شئت فازدد
فزّودت منها و اتّشحت بمرطها* * * و قلت لعينىّ اسكبا الدّمع فى غد
و قامت تعفّى بالرداء مكانها* * * و تطلب شيئا من جمان مبدّد
فقلت لها: أنا قائل ذاك، فداك أبى و أمى، قالت: يا عمر، من كانت هذه الناهدة الثديين، التى كانت هذه حالها معك؟ قلت لها: أطال اللّه بقاءك، ما كان هذا منّى من قصد و لا عمد، و لا قلته فى امرأة بعينها، غير أنى أحبّ الغزل، و أقول الشعر، و التّشبّب بالنساء، فقالت: أنت كذاب على الحرائر، فاضح للنساء، و قد فشا شعرك فى الحجاز و العراق و الشام، و لم يكن فى امرأة بعينها! يا وصائف، أخرجن هذا الكذاب الفضاح للنساء الحرائر، فعصبن عينى، و دفعننى إلى العجوز، فقادتنى إلى مضربى، ثم قالت: يا أبا الخطاب، لا تيأس، فبتّ ليلتى قلقا لم أذق مناما، فلما كان الغد، دخل علىّ الحاجب، و قال: إن العجوز التى كانت أمس بالباب قد جاءت، فقلت: ائذن لها، فدخلت و سلمت و قالت: هل لك أن تراها ثانية؟ قلت: نعم. قالت: أأنت ناظر إليها على الشرط المتقدم، قلت: نعم. فأخرجت المصحف و استحلفتنى، و عصبت عينىّ، و قادتنى إلى مضربها، فأخذنى منها الوصائف، و حللن العصابة عن عينى، و إذا أنا فى مضرب من الديباج الأسود، منقوش بالذهب، مفروش بالحرير، و إذا فيه جوار كالظباء، فجلست على السرير، و إذا هى قد طلعت علىّ كالبدر بتمامه، فسلّمت علىّ و صافحتنى، فوجدت برد كبدها فى يدى، ثم جلست إلى جانبى، و سألتنى عن خبرى، و كيف كان بيتى فى ليلتى، و حادثتنى ساعة، فما رأيت أطيب من حديثها، ثم قالت لى فى غضون ذلك: يا أبا الخطاب، من الذى يقول [من الرمل]:
بينما ينعتننى أبصرننى* * * دون قيد الميل يعدو بى الأغرّ
قالت الكبرى أتعرفن الفتى* * * قالت الوسطى نعم هذا عمر
قالت الصغرى و قد تيّمتها* * * قد عرفناه فهل يخفى القمر
[١٠] انظر الأبيات: (فى الأغانى ١/ ٧٨، ديوان عمر ١١٣).