العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٣٣٣ - عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزّى بن رياح- براء مهملة مكسورة و ياء مثناة من تحت- بن عبد العزّى بن قرط بن رزاح بن عدىّ بن كعب ابن لؤىّ بن غالب القرشى العدوىّ، أبو حفص الفاروق
و روينا عنه أنه قال: ما علمت أحدا هاجر إلا مختفيا، إلا عمر رضى اللّه عنه، فإنه لما همّ بالهجرة، تقلدّ سيفه، و ذكر الخبر.
و كان هاجر مع أخيه زيد بن الخطاب، و سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، و غيرهما من سادات الصحابة رضى اللّه عنهم، و شهد مع النبى (صلى اللّه عليه و سلم)، بدرا و أحدا و الخندق و بيعة الرضوان و خيبر، و فتح مكة و حنينا و الطائف و تبوك، و سائر المشاهد، و كان شديدا على الكفار و المنافقين، و بويع رضى اللّه عنه بالخلافة، بعد موت أبى بكر الصّدّيق رضى اللّه عنه، و كان عهد إليه بذلك، فقام بعده بمثل سيرته و جهاده، و ثباته و صبره على العيش الخشن و خبز الشعير، و الثوب الخام المرقوع، و القناعة باليسير، ففتح اللّه فى خلافته الفتوحات الكبار و الأقاليم الشاسعة، فافتتح عسكره مملكة كسرى، و كانت جيوش كسرى مائة ألف أو يزيدون، فكسرهم المسلمون غير مرّة، و سبوا نساءهم و أولادهم، و غنموا أموالهم، و كان على المسلمين يومئذ، سعد بن أبى وقّاص رضى اللّه عنه، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، و بنى المسلمون حينئذ الكوفة و البصرة، و افتتحت فى خلافته رضى اللّه عنه جميع مدائن الشام، بعد مصافّات أربعة، أكبرها وقعة اليرموك بحوران بالشام، و كان المسلمون أكثر من عشرين ألفا، و كانت جيوش قيصر ملك النصارى، يزيدون على مائة ألف فارس، فقتل من الكفار نصفهم أو أقلّ، و استشهد من المسلمين جماعة من الصحابة، و افتتح فى خلافته رضى اللّه عنه بيت المقدس، و قتل فى خلافته فى وقعة جلولاء بالعراق، خلائق من المجوس، و غنم المسلمون منهم غنيمة عظيمة، يقال إنها ثلاثون ألف ألف درهم.
و افتتح فى خلافته الموصل و الجزيرة و ديار بكر و العراق و أرمينيّة و أذربيجان و بلاد فارس و خوزستان- و اختلفوا فى خراسان، فقيل فتحت فى زمانه، ثم انتقضت، و فتحت فى زمن عثمان رضى اللّه عنه، و قيل إن عثمان افتتحها و هو الصحيح، و إصطخر، و بلد الرىّ و همذان و جرجان و الدّينور و نهاوند و ديار مصر- بعضها بالسيف و بعضها صلحا- و الإسكندرية عنوة، و طرابلس من أوائل بلاد المغرب، و زهت له الدنيا إلى الغاية، فلم يغترّ بها، و لم يردها، و أنزل نفسه فى مال اللّه تعالى، منزلة رجل من المسلمين.
و له رضى اللّه عنه فى الزهد أخبار عجيبة، منها: أنه لما قدم الشام، لقيته الجنود، و عليه إزار فى وسطه و عمامة، قد خلع خفّيه، و هو يغوص الماء آخذا بزمام راحلته، و خفّاه تحت إبطه، فقالوا له: يا أمير المؤمنين، الآن تلقاك الأمراء و بطارقة الشام، و أنت