العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٣٠٢ - على بن محمد بن على الصليحى
الخفية، و يخاف من «نجاح» صاحب تهامة و يلاطفه، و يستكين لأمره، و فى الباطن، يعمل الحيلة فى قتله، و لم يزل حتى قتله بالسم مع جارية جميلة أهداها إليه، و ذلك فى سنة اثنتين و خمسين و أربعمائة بالكدراء.
و فى سنة ثلاث و خمسين، كتب الصليحى إلى المستنصر، يستأذنه فى إظهار الدعوة، فأذن له، فطوى البلاد طيّا، و فتح الحصون و التهائم، و لم تخرج سنة خمس و خمسين إلا و قد ملك اليمن كله، سهله و وعره، و برّه و بحره، و هذا أمر لم يعهد مثله فى جاهلية و لا إسلام، حتى قال يوما و هو يخطب الناس فى جامع الجند: فى مثل هذا اليوم نخطب على منبر عدن. و لم يكن ملكها بعد، فقال بعض من حضر مستهزئا: «سبّوح قدّوس» فأمر بالحوطة عليه، و خطب الصليحى فى مثل ذلك اليوم على منبر عدن، فقال ذلك الإنسان- و تغالى فى القول-: «سبّوحان قدّوسان» و أخذ البيعة، و دخل فى المذهب، و من سنة خمس و خمسين، استقر حاله فى صنعاء، و أخذ معه ملوك اليمن الذين أزال ملكهم و أسكنهم معه و ولىّ فى الحصون غيرهم، و اختطّ بمدينة صنعاء عدة قصور، و حلف لا يولى تهامة إلا لمن وزن مائة ألف دينار، فوزنت له زوجته أسماء عن أخيها أسعد بن شهاب، فولاه و قال لها: يا مولاتنا، أنّى لك هذا؟ قالت هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ [آل عمران: ٣٧] فتبسم و علم أنه من خزائنه، فقبضه و قال: هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا فقالت: وَ نَمِيرُ أَهْلَنا وَ نَحْفَظُ أَخانا [يوسف: ٦٥].
و لما كان فى سنة ثلاث و سبعين و أربعمائة، عزم الصليحى على الحجّ، فأخذ معه الملوك الذين كان يخاف منهم أن يثّوروا عليه، و استصحب زوجته أسماء بنت شهاب، و استخلف مكانه ولده منها، الملك المكرم أحمد، و هو ولدها أيضا، و توجّه فى ألفى فارس، فيهم من آل الصليحى، مائة و ستون شخصا، حتى إذا كان بالمهجم [١]، و نزل بظاهرها بقرية يقال لها أم الدّهيم و بئر أم معبد، و خيّمت عساكره و الملوك الذين معه من حوله، و لم يشعر الناس حتى قيل: قد قتل الصليحى، فانذعر الناس و كشفوا عن الخبر، فكان سعيد الأحول بن نجاح المذكور، الذى قتله الجارية بالسم، قد استتر فى زبيد، و كان أخوه جياش فى دهلك [٢]، فسيّر إليه و أعلمه أن الصليحى متوجه إلى مكة،
[١] المهجم: بلد و ولاية من أعمال زبيد باليمن، بينها و بين زبيد ثلاثة أيام، و يقال لناحيتها خزاز، و أكثر أهلها خولان من أعلاها و أسافلها و شمالها بعد السّردد.
[٢] دهلك: بفتح أوله، و سكون ثانيه، و لام مفتوحة، و آخره كاف، اسم أعجمى-