العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٢٧٤ - على بن أبى طالب، و اسم أبى طالب، عبد مناف- على الأصح فيما قال ابن عبد البر، و المشهور على ما قال النووى و قيل اسمه كنيته- بن عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف بن قصى بن كلاب القرشى
و ظفر على رضى اللّه عنه بعائشة، فأكرمها ورعى لها حرمتها، و جهّز معها من أوصلها إلى المدينة. و كانت وقعة الجمل فى سنة ست و ثلاثين من الهجرة، فى عاشر جمادى الأولى، و قيل فى عاشر جمادى الأخرى، و اللّه أعلم.
ثم ثار الحرب بينه و بين أهل الشام، لا متناعهم من مبايعته، فسار علىّ نحوهم من العراق فى تسعين ألفا، و قيل فى مائة ألف، و قيل فى خمسين ألفا، و التقى مع معاوية و أهل الشام، و كانوا سبعين ألفا، و قيل ستين، على أرض صفّين بناحية العراق، فى صفر سنة سبع و ثلاثين من الهجرة، و دام الحرب و الغارة بين الفريقين أياما و ليالى، و قتل من الفريقين ستون ألفا، و قيل سبعون ألفا، و غلب أصحاب علىّ رضى اللّه عنه على الماء، و أزالوا عنه أهل الشام. و لما خاف أهل الشام الكسرة، رفعوا المصاحف بإشارة عمرو بن العاص رضى اللّه عنه، و دعوا إلى الحكم بما فى كتاب اللّه، فأجاب علىّ رضى اللّه عنه إلى تحكيم الحكمين، حكما من جهة علىّ، و حكما من جهة معاوية، على أن من اتفق الحكمان على توليته الخلافة، فهو الخليفة.
و اختلف على علىّ رضى اللّه عنه أصحابه، لإجابته إلى ذلك، و خرجت عليه الخوارج، و هم أزيد من عشرة آلاف، و قالوا: لا حكم إلا اللّه، و كفّروا عليا رضى اللّه عنه بفعله، و اعتزلوه، و شقّوا عصا المسلمين، و نصبوا راية الخلاف، و سفكوا الدماء، و قطعوا السّبل، فخرج عليهم على رضى اللّه عنه بمن معه، و رام رجعتهم، فأبوا إلا القتال، فقاتلهم و استأصل جمهورهم، و لم ينج منهم إلا اليسير. و جملة من قتل منهم أربعة آلاف، على ما قيل. فلما كان شهر رمضان من سنة ثمان و ثلاثين، اجتمع الحكمان، و هما أبو موسى الأشعرى، من جهة علىّ رضى اللّه عنه، فيمن معه من وجوه أصحاب على رضى اللّه عنه، و عمرو بن العاص، من جهة معاوية، فيمن معه من وجوه أصحاب معاوية، بدومة الجندل، و هى مسيرة عشر أيام من دمشق، و عشرة من المدينة، و عشرة أيام من الكوفة، فلم ينبرم أمر، لأن عمرا رضى اللّه عنه، خلا بأبى موسى فخدعه، فقال له: نخلع الرجلين- يعنى عليا و معاوية- و نولّى من يختاره المسلمون، فأذعن لذلك أبو موسى، و قال له عمرو: تكلم قبلى، فأنت أفضل منى و أكبر سابقة. فلما خرجا إلى الناس، تكلّم أبو موسى، و خلع عليّا و معاوية، ثم قام عمرو، فقام و قال: أما بعد، فإن أبا موسى قد خلع عليا كما سمعتم، و قد واقفته على خلع علىّ، و ولّيت معاوية.
و سار الشاميون و قد بنوا فى الظاهر على هذه الصورة، و ود أصحاب علىّ الكوفة،